الصفحة 229 من 277

فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا، ثم الآيات حتى نهايتها وهي تتحدث عن البيت المُصغَّر العظيم الذي تتنزَّل فيه الملائكة: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} ، هذا مصدر الوحي.

فالقصد أن أقول: هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو حبيب رب العالمين هو أعظم الناس بلاءً حتى في شخصه - صلى الله عليه وسلم -، وحتى في بدنه، وحتى في طعامه، تسعة بيوت لا يجد فيها إلا الماء، وهو الذي خُيِّر أن تمشي جبال مكة وراءه ذهبًا، وأراد أن يجوع يومًا فيسأل الله، ويشبع يومًا فيحمد الله؛ فما بين السؤال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين} ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ، بين الصبر والشكر.

انظروا إلى يوسف -عليه السلام-، انظروا إلى أيوب، انظروا إلى يعقوب، الأنبياء حياتهم حياة البلاء، وهم بشر؛ فلذلك على الناس أن يقطعوا رغبتهم في أن ينزل عليهم الملك.

فبعد أن تحدث عن سؤالهم أن يكون معه ملك، أجابهم عنه ثم زاد، وهذا أسلوب الحكيم؛ مع أنهم سألوها في موطن آخر، ولكن ليس في هذا الموطن، فزاد بيانًا بأن قال لهم: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ} ، لما تروا الملائكة لا مجال للتراجع، ولا مجال لإعطاء الوقت ولا للإنذار. ولكن تابع القرآن حديثه، بقوله: لو أنزلنا ملكًا رسولًا وهذه زيادة. هذا يسمونه أسلوب الحكيم.

ما هو أسلوب الحكيم؟ إما أن تُجيب أكثر من سؤال السائل، يعني ماذا سأل الصحابة، لما سألوا عن ماء البحر؟ سألوا عن الوضوء به فقط، لم يسألوا عن طعام البحر ولا غيره، فالنبي زادهم - صلى الله عليه وسلم -، قال: (هو الطَّهور ماؤه، الِحل ميتته) [1] . انظر هذه الحكمة القرآنية في أن يجيبهم فيما هو أجلُّ مما يسألون عنه، أو زيادة من أجلِ أن ينبههم إلى عظم شيءٍ، أهم مما سألوا عنه.

في سورة البقرة، قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} ؛ يسألون ماذا ينفقون؟ عن المادة التي يُنفقون أو النسبة التي ينفقون منها من أموالهم؛ القرآن لم يُجبهم على هذا، ذهب إلى شيءٍ آخر، وأجَّل جواب سؤالهم. أنا أريدكم أن تفتحوا المصاحف، حتى إذا مررتم عليها مرةً أخرى، وأنتم تقرؤون فيها تتذكرونها، صفحة (33) .

ماذا سألوا؟ انتبه لم يُجبهم القرآن على سؤالهم، إنما أجابهم على أجلِّ مما سألوا عنه، فلما نبَّههُم إليه أجابهم

(1) صححهُ البخاري في كتاب (الاستذكار) . وغيره جمع من السلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت