الصفحة 230 من 277

على سؤالهم بعد آيات، قال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} ، ماذا ننفق يا رب؟ ماذا أجابهم؟ عن مصارف الإنفاق، لم يُجبهم عن ماذا ينفقون لأن هذا أجل؛ قال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} .

ولكن هل ترك الجواب؟ لا، لم يترك الجواب، أبقاه حاضرًا، من أجل أن يعودوا إليه.

لما واحد يجيء لك يقول: يا أستاذ! أصلح لي هذا الجهاز، وأنت تريد منه شيئًا آخر، تأخذ الجهاز منه، تقول له: قبل ما أصلح لك هذا الجهاز عندي مطالب، فهو مضطر أن يسمع، فيبقى حاضرًا ذهنه إليك، من أجل أن يقضي حاجته، خلال هذه المدة في حضور الذهن، عليك أن تستغلها.

وهذا استخدمه يوسف -عليه السلام-، فلما هم سألوه وقالوا: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} ؛ هم ينتظرون الجواب، فهو رحل بهم إلى أمورٍ أهمّ من قضية تأويل الرؤيا، رحل بهم إلى قضية: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ، رحل بهم إلى الدعوة إلى الله.

فهذا أسلوب الحكيم؛ لأنه يُلقي إليك بذهنه مصغيًا مهتمًا أن يعرف ماذا يريد؛ فأنت انتبه! وأعطه ماذا تريد أنت وليس هو.

فهم قالوا: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} ، فأجابهم عن مصارف الإنفاق، ثم أجابهم عن هذا السؤال، في الصفحة التي بعدها، في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ} ؛ وانظروا إلى حكمة الرب لم يضعها في آية مستقلة، ألحقها بآيةٍ تتعلق بأمر آخر؛ {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ؛ ما هو العفو؟ كل ما زاد عن الحاجة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين من حديث أنس،"كان يقبل من أصحابه العفو"، يعني يقبل منهم ما يُقدِّمون، ولا يسألهم، {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} ؛ ولذلك: (إياك وكرائم أموالهم) [1] ، لا تمتحنوها، النفوس لا تُمتَحن.

(1) صحيح البخاري: (1496) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت