الصفحة 231 من 277

نذهب لسورة الأنفال صفحة (177) ، عجيبة هذه السورة، عجيب كيف هذا القرآن يرحل بهم هذه الرحلة الطويلة عن سؤالهم، لا يجيبهم إلا في منتصف السورة. هم يسألون عن الأنفال، فالله أولًا جرَّدهم منها، لأنهم اختصموا فلا بد أن يُربيهم؛ أنت لما أولادك يختلفون على شيء اختلافًا غير جيد، ماذا تفعل؟

رضي الله عنهم ما في البشرية بعد الأنبياء أعظم أخلاقًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن اختلفوا فيها وتقاتلوا، من الذي يأخذ الأموال؟ فقال: هذه ليست لكم، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} ؛ فسلبها منهم، ليقطع رغبتهم فيها، ويؤدِّبهم من أجل إخراج هذه الأموال والأنفال من قلوبهم. ثم رفعهم في رحلة عظيمة، وشوق قلبي لا يتلاءم إلا مع عظمتهم، إلى ما ينبغي أن يهتموا له، وهو ماذا؟ {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ انظر لهذا القرآن من أجل أن تعرف أن الصحابة من ربَّاهم، هذه التربية لم تبقَ فقط كلامًا يتردد في الكتاب، كل ما ورد في القرآن من أدبٍ وتربية وإعداد وأوامر إنما تمثَّلت بأصحاب رسول الله، لما يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ هل حصَّلوا هذا أم لم يُحصِّلوه؟ هل انتبهوا إلى أهمية هذا التنبيه القرآني فصاروا أهلًا له أم لا؟ بل أخذوه فورًا وتابوا إلى الله واستغفروا.

نحن اليوم قسَّمنا القرآن؛ آيات النار للكفار، وآيات الجنة لنا، وآيات الجهاد للصحابة؛ قتادة بن دعامة السَّدُوسي قال:"والله نِعم بنو العم لكم"، جاءت الآيات: {مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} و {الظَّالِمُونَ} و {الْفَاسِقُونَ} ، وبعضهم قال: هذه نزلت في اليهود والنصارى.

فاعلموا أن هذه التربية تمثَّلت حقيقة، ووقعت في قلوب أصحاب رسول الله، كما يحب الله. فمتى أجابهم القرآن؟ سكت القرآن، وذهب في التربية الإيمانية، وفي التذكير ماذا وقع، بأن هذا النصر من عند الله وليس من عندكم، وآيات بدأت بـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} ؛ انظر الخطاب الإيماني كم مرة؟ خمس مرات متتابعات، ثم جاء خطاب إيماني آخر. ولكن خمس آيات متتابعات في خطاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، هذه تنزل على من؟ على أصحاب رسول الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} ، هذه واحدة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} ، هذه ثانية، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، لو لم يوجد صحابة يفسرون القرآن لنا لكان يأتي إليك واحد بطربوش على رأسه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت