الصفحة 232 من 277

تقول له: ما معنى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ يقول لك: يا أخي الذي يُحييك أن تأكل جيدًا وتلبس جيدًا؛ وفي {لِمَا يُحْيِيكُمْ} بإجماع المفسرين: الجهاد، الجهاد الذي فيه موت إحياء!

ثم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} وأعظمها ما خُتم به هذا الخطاب، وخاتمة المطاف لكل عابدٍ ولكل تقي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ؛ قمة ما يتحصَّل عليه العبد، أن يقذف الله في قلبه الفرقان، نور الهداية، بحيث يفرق هذا القلب ليس بين الشر والخير، فبين الشر والخير، تُفرِّق به القطة، وتفرق به الدابة، تفرق بين النار والقمح، تفرق بين البعر وبين الشجر. لكن هذا الفرقان يُفرِّق بين خير الخيرين وشر الشرين. أدق الشر الله يكشفه لك؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} ؛ هذا الذي يسعى إليه المؤمنون، ويحثُّون الخطى إليه جاهدين، بأن يتحصلوا هذه النهاية.

القصد؛ افتتح السورة بقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} ؛ متى تم الجواب؟ بعد هذه التربية الرائعة، وذكر خبر قصة بدر، وما وقع فيها، إلخ، في نصف السورة بالتمام حينئذ وقع الجواب، صفحة (182) آية (41) ؛ قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} ، هذا أسلوب الحكيم يا مشايخ، وهو كثير في القرآن.

قال -سبحانه وتعالى-: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ ... } ، دائمًا الجعل بمعنى الصفة وليس في معنى الخِلقة، {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} ؛ أي لو جعلنا خِلقته ملكًا، وهذه ترونها مثلًا لما قدَّمنا أن الجعل غير الخلق؛ قلنا: الخلق: هو إيجاد الشيء من العدم، والجعل: هو ترتيب صفة هذا المخلوق على هيئةٍ ما، {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} في سورة الزمر واضحة بيِّنة، صفحة (459) آية (6) من الزمر: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ، ماذا قال؟ {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا *وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} ؛ أي خلقها لكم على هذه الصورة.

فقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} ؛ أي: لو أننا أنزلنا إليكم رسولًا ملكًا، لكان في حقيقته ملكًا، ولكن: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} ؛ أي لجعلنا هيئته الظاهرة على ما يقع منهم من الأفعال، وهو: البشرية. أي: لو أن الله أنزل ملكًا لما رأوه إلا بشرًا. ما معنى: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} ؟ اللباس: هو الستر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت