الصفحة 233 من 277

والتَّلبيس: هو الخداع؛ لأن الحقيقة هذه ماذا؟ نظارة، فإذا ألبستها لباسًا ما، لتكون هذه مصنوعة من فضة مثلًا، فتضع عليها الذهب، هذا اسمه تلبيس: يعني خداع. فكيف يقع الخداع؟ بتلبيس الشيء غير حقيقته. فقوله: هذا لبَّس عليه، وطبقوا القاعدة -التي ذكرناها سابقًا- على هذه: لبَّس وسبَّل وسلب، كلها بنفس الجذر.

قال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} ، بعضهم يقول: يعني الله لا يستطيع أن يُنزل ملكًا! الله -عز وجل- خلق ملائكة عظامًا، يقول في الحديث: (أطَّتِ السَّماءُ) [1] : ما معنى أطّت؟ يعني: مالت لثقل ما عليها، وانظروا إلى عظمة هذا اللفظ، (أطّت) لا يجتمع فيها صفة الفعل فقط، ولكن يجتمع فيها صوت الفعل؛ صفة الفعل: الميلان، ولما يميل الثقل يُصدر صوتًا، هذا موجود في القرآن؛ مثل قوله: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} ؛ هذه {هَيْتَ} : فيها كلمتان: الكلمة الأولى: تهيَّأتُ إليك، والكلمة الثانية: أَقبِل؛ فهي لم تقل له: {هَيْتَ لَكَ} تعال فقط، ولكن قالت له: تهيأت أنا لك فتعال، فهذا كثير في القرآن.

انظر إلى قوله -سبحانه وتعالى- لما ذكر عيسى -عليه السلام-: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} ؛ كيف ضُرب ابن مريم مثلًا؟ {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} ، {مَا} هذه قال المفسرون لما نزل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} ؛ فقال المشركون: إذًا عيسى في جهنم لأنه يُعبد من دون الله، وهذا من قبيل التلعُّب؛ فإن العرب تعرف أن (ما) لا تكون إلا لغير العاقل، لكن (من) لا تكون إلا للعاقل؛ فلما قال -سبحانه وتعالى-: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} ، فما كان ينبغي صرفها للعاقل عيسى -عليه السلام-، ولكن هو من قبيل التلعُّب، فقال هنا: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} ؛ قال ما ضربوه لك إلا جدلًا، على سبيل التعنت أنه في جهنم، فقال رد عليهم: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} .

أهل البلاغة واللغة يردُّون عن القرآن أكثر من الفقهاء، والذي نصر القرآن في زمن الزنادقة هم أهل اللغة، كما أن الذين شموا رائحة الزندقة المعاصرة هم أهل اللغة، قبل المشايخ، بعض المشايخ لأنهم مساكين دخلوا فيها وانضحك عليهم؛ لكن أهل اللغة الذين يعترفون بقداسة هذا البيان العظيم، تذوَّقوا هجمة الزنادقة على الإسلام أول ما بزغ شرهم، والدليل: أن أكثر الذين حملوا راية الدفاع عن القرآن هم

(1) حسنهُ الألباني في صحيح الترمذي: (2312) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت