الصفحة 234 من 277

أهل اللغة، وشراستهم وقوتهم ونصاعة أمرهم ووضوح أسلحتهم، كانت خيرًا مما كان عند الفقهاء؛ يعني أنت لما ترى مشايخ الأزهر مثلًا، باعتبار مصر منذ وقت طويل هي مركز العالم الإسلامي، ولذلك كان نابليون مهتمًا بها، لكن كان مهتمًا بعكا أكثر.

نابليون الآن تُدرَّس نظرياته العسكرية في كبار الكليات العسكرية في العالم، وكان يقول:"إن مفتاح السيطرة على الهند احتلال عكا"، لكن أنا لو تسألوني لا أفهم، أنا أنقلها لكم، هذه لا يفسرها إلا واحد عسكري؛ إن مفتاح السيطرة على الهند، هو دخول عكا، لذلك الله -عز وجل- منعه من دخول عكا. مصر دخلها كما يقولون:"مثل شربة الماء"، وعند عكا سقط. فمصر من ذلك الوقت وهي تمثل مركزية العالم الإسلامي؛ بعد ذلك ضعفت المركزية بسبب؛ المال في بعض البلاد، مثال: الآن وسائل الاتصال. لكن كان الكتاب أولًا لا يُنشر إلا في مصر، وإذا أراد الإنسان من العلماء الشهرة، لا يذهب إلا لمصر؛ مثل الأستاذ محمد رشيد رضا، هذا شامي، ذهب إلى مصر من أجل الشهرة. حتى أصحاب الصحافة مثل بشارة تُقلا، الذي نشر (الأهرام) ، فكان كل واحد يريد شيئًا يذهب إلى مصر.

فبدأ هؤلاء زندقتهم في الأزهر وعلى المشايخ، -ويذكر هذا الجبرتي في قصة طويلة، لا أريد أن أقف عندها، ولكن لكي تعرفوا قيمة اللغة وأهميتها-. فسقط المشايخ، حتى إنهم صاروا يؤوِّلون القرآن والسنة تحت رغبة المستعمر، وتحت رغبة الاكتشافات الحديثة، ويعطونهم الفتاوى التي تلائم المستعمر. من وقف ضدهم الموقف الصلب؟ أئمة اللغة؛ انظر إلى موقف الأستاذ مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- في كتابه العظيم الذي سماه: (تحت راية القرآن) ؛ اعتبر أن الدفاع عن اللغة العربية هو دفاع عن القرآن الكريم.

انظر شراسة الأستاذ محمد محمد حسين! يقول أحد أساتذته: مكث شهرًا كاملًا وهو يُدرِّس في جامعة بيروت العربية عن معركة القبعة والطربوش؛ لأنه كان يعتبر أن معركة الطربوش هي معركة التراث، معركة القيم، لما أنت بتلبس القبعة الفرنسية، أو تلبس القبعة الأجنبية، فهو علامة تخلِّيك، عن ثقافتك.

توماس فريدمان هذا أكبر كاتب في أمريكا، ويكتب في النيويورك تايمز مشهور وهو يهودي، قرأت له مقالًا يقول فيه أنه بمجرد أن لبس العالم لباسنا الغربي هذا دلالة سيطرتنا على العالم؛ يعني في بلده فليلبس ما يشاء، مثلًا في الهند يلبس الإزار، في الدول العربية يلبس الدشداش، في الصين يلبس القُفطان إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت