الصفحة 235 من 277

لكن حين نريد ثقافة إنسانية فلا يُلبس إلا اللباس الغربي. لم يقلها ابن تيمية، ابن تيمية قال: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ، أليس كذلك.

طبعًا بإجماع أهل الملة أن أعظم جيل يفهم اللغة هو جيل الصحابة، قالوا: كيف تقولون هذا وعمر لم يفهم بيت شعر؟! الزبرقان بن بدر كان واليًا لعمر، فالحُطيئة كان شاعرًا هجّاءً فهجاه، قال له:

دع المكارم لا ترحل لبُغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

الطاعم اسم فاعل، هو الذي يُطعم، وليس مطعومًا، مطعوم اسم مفعول يقع عليه الفعل. فهذا مدح في ظاهره، وهذا من ذكاء العرب، قلنا إن العرب عفاريت في اللغة!، فقال له: اقعد إنك أنت الطاعم الكاسي، فكلمة (اقعد) هي المشكلة. فجاء الزبرقان بن بدر لعمر -رضي الله عنه- وقال له: هجاني الحطيئة، قال: ماذا قال؟ قال: لا أرى فيها شيئًا، ومن يشهد أن هذا هجاء؟ فقال: ما يشهد إلا شاعرٌ مثله، فأتوا بحسان، هل هذا هجاء، قال: هو لم يهجُه ولكن سَلَحَ عليه!

فقال صاحب (طبقات فحول الشعراء) ابن سلّام: هل عمر عجز أن يفهمها؟ قال: لا، هو علمها ولكنه قاضٍ، لا يقبل إلا بشهادة شاهد.

قالوا: كيف جهل عدي ابن حاتم قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ، قال من الفجر، فكيف ذهب ووضع عقالًا أبيضًا وعقالًا أسودًا وصار ينظر؟! قالوا: لا، الآية في أول نزولها كانت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} ، ثم نزل قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} ليقطع هذه الظنون.

ففي الزخرف قال: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} ؛ يخلف بعضهم بعضًا، لجريان سنة الخلافة في الأرض، قال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} ؛ هنا حكمة المقال، عندما يُنزل الله -سبحانه وتعالى- إنسانًا رسولًا للبشر، ما المقصود به؟ وضوح الأمر؛ فأنهم إذا قالوا: نحن لا نفقه هذا، قلنا لهم: فقِهَها رجل، وإذا قالوا: هذا لا نقدر عليه، قلنا: قدر عليه رجل. فلذلك الأنبياء يوم القيامة هم حجة الله على أقوامهم، هكذا يتم البلاغ التام والحجة التامة.

فهم عندما يريدون الملائكة ليقع التلبيس، ما هو التلبيس الذي يقع؟ التلبيس الذي يقع هنا هو حُجَّةٌ باطلة يوم القيامة، يريدون أن ينزل ملك، فإذا نزل ملك صارت عندهم الحجة؛ هذا ملك ونحن بشر لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت