الصفحة 236 من 277

نستطيع أن نقوم بما يقوم به، هو إذا مشى في الأرض تُفتح له الأرض، تمشي أمامه الجيوش، يُزيل الجبال، يقضي على الأعداء، فهو ملك!

فانظر، وهنا يأتي العدل الإلهي في القرآن، قال: لو أرادوا هذا التلبيس هم، لوقع التلبيس الإلهي عليهم، وهذا من مكر الله بهم؛ فلو أرادوا هذا التلبيس في إيجاد الملك ليقع التلبيس في عدم المتابعة، لأوقعناه بهم منا على جهة المكافئة لهم؛ بأن نُنزل ملكًا في الباطن بشرًا في الظاهر، ويقع عليهم الحجة بأشق مما هو عليهم الآن من وجود الرسول البشري!، {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} ؛ استخدم كلمة (اللبس) إذًا لجعلنا لباسه أي ظاهره رجلًا، ولكان فعله في الباطن فعل ملك. فكيف سيكون حالهم؟ {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} ، لكان في ذلك مشقة، وهذا من عظم مكر الله، ذلك بأن القرآن الكريم يجازي على الفعل بالفعل نفسه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ؛ الله يقع منه الفعل على ما يقع.

ولذلك المنافق في الدنيا ماذا؟ مسلم وفي الآخرة وفي الباطن؟ كافر، فجزاؤه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} باطنه فيه المؤمن، {وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} ؛ هذا مناقض مثل ما هم عليه في الدنيا؛ أنهم في الباطن كفار، وفي الظاهر مسلمون، فهؤلاء الله يعذبهم، باطنهم فيه الرحمة، يعيش المسلمون فيه بالرحمة، والمنافق يرى أنه في عذاب؛ فهذا من قبيل الإنصاف الإلهي، والمقابلة الإلهية لما يقع منهم.

ولذلك لما مررنا على الآية -وهي آية الاستكبار-، وقلنا هذه نظرية المؤامرة، ماذا قال القرآن؟ {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا} ؛ ماذا قال؟ {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ لماذا قال (الأغلال في أعناق) ؟ لأنه كان في الدنيا على هذه الهيئة من الاتِّباع في جعل نفسه دابة، لأنه مُستضعَف، ومشى كالدابة وراء سيده المستكبر، كأنه ألغى إرادته وفي عنقه الحبل يجره سيده كما تُجَرّ الدابة؛ والله أراد منه أن يكون إنسانًا، فعامله الله: {وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} .

ليس فقط العذاب، ولكن صورة العذاب كذلك، ماذا قال بعدها؟ {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ فهذا هو العدل الإلهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت