ثم جاء -سبحانه وتعالى- إلى قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .
هذه تكررت في القرآن كثيرًا، إلا في موطن واحد، بدأت بهذا المطلع العظيم، وقال في سورة الرعد: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ وإلا في باقي الآيات: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ ... } هذه لماذا تنزل؟ قلنا هذا القرآن خطاب لمن؟ للرسول، أولًا هو خطاب للرسول. فإذًا ما المقصود بهذه الآية؟ المقصود هو: وعظ النبي، ورفع الإصر عنه، {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ} يقول هذا الطريق مسلوك قبلك. ما هو الأشق؛ أن تسلك طريقًا مسلوكًا مُعبَّدًا، قد مشى فيه الناس من قبلك؟ أو أنك تمشي في طريقٍ موحشٍ لم يسلكه غيرك؟
فهنا يقول الله: هذا طريق مسلوك يا محمد! طيب أين عظمته إذًا؟ لماذا ليس هو الأول؟ للبدايات مشقَّات وللنهايات كمالات، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مَثَلي ومَثَلَ الأنبياءِ من قبلي، كمَثَلِ رجلٍ بنى بيتًا، فأحسَنه وأجمَله إلَّا موضِعَ لبِنةٍ من زاويةٍ -كأن البيت لم يتم- فجعَل النَّاسُ يطوفونَ به، ويعجَبونَ له ويقولون: هلَّا وُضِعَت هذه اللَّبِنةُ؟ قال: فأنا اللَّبِنةُ، وأنا خاتمُ النَّبيِّينَ) [1] . فالبدايات لها مشقات والنهايات لها كمالات. الجمال جمال الكمال؛ ولذلك: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ ... } ما الفرق بين الكمال والتمام؟ الكمال: عودٌ إلى الأصل، والتمام: عودٌ إلى الصِّفة. أكملت البناء: أتممت زينته. فالقرآن والدين انتهى كماله في أصله، وانتهى وتمَّت زينته في صفاته.
فإذًا ما المقصود بهذه الآية: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} ؟ هذا تطمين ورفعة درجة الصبر في قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وسنرى هذا بجلاء في سورة الأنعام، كيف يرفع القرآن هذه النفسية، إلى درجةٍ عظيمة من الثبات، ومواصلة الطريق، كما يقول: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} ، ثم قال -سبحانه وتعالى-: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} .
يا إخوة! أي داعٍ إلى الله، وأي خطيب، وأي مجاهد، يظن أنه هو المقصود في المعركة، هذا فاقد لمعنى الإخلاص؛ ولن يقع عليه النصر كما ينبغي، يجب أن يفهم أن المعركة: هي معركة بين الله وأعدائه، أنت ما دورك؟ ليس لك شغل، أنت فقط بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك، امشِ في الطريق؛ النتائج ليست عليك،
(1) صحيح البخاري: (3535) ، صحيح مسلم: (2286) .