قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ.
أعظم ما يُسبّ به رب العزة والجلال بعد الحديث الباطل في صفاته وأسمائه وأفعاله والكفر بربوبيته نسبة أمرين له؛ الكذب عليه بأنه لم يُرسل رسولًا ونفي دار الآخرة؛ لأنه لولا وجود الدار الآخرة لكانت هذه الدنيا عبثًا من العبث لا قيمة لها، ولا يمكن إدراك أن الله حكيم فيما خلق هذا الوجود إلا بإيمانك بالدار الآخرة، ولذلك قال -سبحانه وتعالى-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} ، لو لم يكن هناك دار آخرة لسُمّي ربنا ظالمًا -نعوذ بالله-، ولكانت هذه الدنيا بما وُجدت فيه من أكوام وعطاء ونِعم وحكمة وتدبير لهوًا لا قيمة له.
فالذي يرجّح جانب الحكمة، بل يجعل للحكمة أصلًا لهذا الوجود وفي فعل الربّ في هذا الوجود هو أن تؤمن بالدار الآخرة، ولذلك الذين يكفرون بالدار الآخرة يكفرون بالله ليس فقط على جهة على كذب خبر الأنبياء، بل لأنهم يكفرون بالله؛ أي يكفرون بحكمته ويكفرون بعدله ويكفرون بقُدُّوسيَّته.
تصور أنه لا توجد دار آخرة، فهذا الظلم الموجود أين النَّصفة فيه؟ أين العدل الذي نراه في هذه الدنيا؟ لماذا يموت هؤلاء المظلومون ويستكبر هؤلاء المتكبِّرون المجرمون؟ لماذا يكون هناك أغنياء وفقراء؟ لماذا يكون هناك طائعون فلا يرون إلا العذاب والمشقّة وآخرون مسكتبرون ولا يُعطَون إلا المال والجاه؟! ولذلك قال -سبحانه وتعالى- في سورة الرعد: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ؟ ماذا قال ربنا؟ {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} .
فأعظم كفر بالله هو عدم الإيمان بالآخرة، وكل الشريعة تبطُل وكل الكتب وكل الرسل، وخلق السماوات والأرض لا يكون له قيمة إلا بوجود الدار الآخرة. ولذلك قضية وجود الدار الآخرة مركزيَّة، هي المكون الثالث بعد الربوبية لله وبعد الامتثال لرسول الله، الركن الثالث من أركان تكوين الشخصية المسلمة هو الإيمان بالدار الآخرة. والثاني: إرسال الرسل؛ الله غيب ويحب ويُبغض، وخلق خلقًا بمقصد، ويدمّر