النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً فأراد أن يُكملها، هو يريد أن يحتجَّ أن الله نوَّع الخلق، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} والآية ماشية على لسانه فقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} وقف عند {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} ، علامة الذين رحمهم الله أنهم لم يختلفوا، واحد قال عن عيسى انه ابن الله، واحد قال عيسى هو رسول الله، فهؤلاء مختلفون، واحد منهم مرحوم وواحد غير مرحوم. فانظروا لمن يحتج بالآيات كذبًا، هذا فقط مفتاح للسؤال.
في سورة المائدة آية (82) قال الله -عز وجل-: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} علّل، فإذا وُجِد قسّيسون ورهبان لا يستكبرون فهم أقل عداوة، فالآية أثبتت لهم ثمّ جرَّدتهم من هذا، انظر: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} هل رأيت البابا النصراني حين تقرأ عليه آيات تفيض عيونه من الدمع؟ {تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .
قلنا مرة: إن أعظم الفقه هو أن يُستخرج الحديث من القرآن، هذا فيه حديث وهو: (ثلاثةٌ لهم أجرانِ: رجلٌ من أهلِ الكتابِ، آمن بنبيهِ وآمن بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ) [1] فهذا من هذه الآية.
{فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} ، كيف يقع الإحسان؟ بالإتيان بالتقوى وزيادة عنه، أما التقوى إيمانه برسوله وأما الزيادة عنه فالإيمان بمحمد. أنا قرأت هذا في كتابي (صِبغة الله الصمد) وجئت إلى كل الآيات التي يُحتجّ بها، وكلها تُجرِّد هؤلاء المجرمين مِن دعواهم أن هناك مَن هو معذور مِن أهل الكتاب بعدم اتباعه لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - أو إقراره على كفره، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاث} .
(1) صحيح البخاري: (97) .