الصفحة 268 من 277

فقال -سبحانه وتعالى-: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، العلماء والمفسّرون يَفصِلون هذه الكلمات في الآية الواحدة، يقولون: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} فهذا إثبات الملكية لله، {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أي في العمل والجزاء فيهما. والصواب -ولم أر من تكلّم فيها من أهل التفسير لكني أعتقد أن هذا هو الحق-، أنّ ربط الرحمة في الملكية ليس خطابًا جديدًا، قوله -سبحانه وتعالى-: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} هو لما ملك من السماوات والأرض؛ لأن المالك فيما يُعلم من البشر فيه صفة الظلم، هو مالك ولا يُسأل.

ولذلك بعضهم يأتي إلى قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ويذهبون مذاهب باطلة، -لا أريد أن أخوض فيها موجودة في كتب الكلام-، مثل قولهم:"يجوز لله -عز وجل- أن يُعذّب الطائع وأن يُثيب العاصي"، هذا باطل؛ لأن الله يقول في آية أخرى: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فأنت تُجوِّز ما لم يأذن به الله -عز وجل- في نفسه. فقوله -سبحانه وتعالى- في الآية التي يحتجُّون بها: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ؛ أي: مما يفعله من الخير: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

فقوله -سبحانه وتعالى-: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} ، هل هذا الملك فيه عسف؟ فيه ظلم؟ فيه تجبّر؟ هذا الملك فيه رحمة.

وفيها معنى آخر أجلّ، الصِّلة بين إثبات الملك {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} وقوله سبحانه: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} وهو أن هذه مخلوقة لغيره، لأنه هو لا يحتاج الرحمة. فلما يقول: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} كأنه يقول: هذه خلقتها لغيري، وأجلُّ من هذا المعنى أنها خُلقت لغيره على معنى الرحمة.

يعني أولًا هي خُلقت بالرحمة، ما من شيء إلا وفيه الرحمة. الشيء الثاني أنها خُلقت لغيره، ولما خُلقت لغيره كان بهذه الأشياء الرحمة للعبيد. وبهذا أنتم تتفتّح لكم مفاتيح هذا القرآن الخفيّ العظيم في قوله -سبحانه وتعالى-: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} كأنه يقول: أنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت