خلقتها لكم فكيف تُنكرون نعمتي عليكم؟ وخلقتها لكم على سبيل الرحمة بكم، فما الجزاء لهذا؟ هو أن لا تعدلوا.
وأنا أعجب من الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله- كيف بقي مُردِّدًا كلمة (يعدلون) في تفسير كل الآيات التي جاءت بعدها إلى هذه الآية وما وراءها، هذا لطلبة العلم حتى يتأملوا كيف أن العلماء في قراءتهم للسورة لا يفصلون الآيات كما يزعم بعض الجَهَلة أنها غير مربوطة، فالعالم في ذهنه هذا الربط.
فإنه أتى إلى قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون} أي يتّخذون غيره آلهة يعبدونها من الأصنام والأوثان، هذه العبارة بقيت تتردّد في كلام ابن جرير الطبري إلى هذه الآية وما بعدها، فيقول: (قل) لمن؟ قل لمن عدل، {قُلْ لِلَّهِ} لمن عدل وأشرك، {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} انتبهوا، وهكذا، فيعود في كل جملة قرآنية إلى هذا اللفظ حتى يبقى هذا المعنى مُطَّردًا.
قوله تعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، الحديث فسّر هذا في قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ كتب كتابًا قبل أن يخلُقَ الخلقَ: إنَّ رحمتي سبَقَتْ غضبي) [1] هنا معنى جليل، يحضر في العلم معانٍ عند التعليم ما لا تحضر في التأمل الذاتي.
انتبهوا لهذا الحديث العظيم، أنا أحاول أن أعطيكم من المعاني ما لا يوجد في الكتب قطّ. متى يكون الخيار بين الرحمة والغضب؟ هل عند فعل الطاعة أم فعل المعصية؟ لا يكون الخيار بين شيئين يتسابقان على شيء إلا وهذا الشيء يحتملهما، وإلا لو كان لا يحتملهما لا ينبغي السباق بينهما؛ فلو كان هذا الحديث معمولًا به لمن أطاع لما صحّ أن يُقال:"سبقت غضبي"لأن الغضب ليس ملائمًا لما يُسبق إليه وهو الطاعة، هل الغضب يسبق من أجل أن يصيب الطائع؟ بل يقول: إن رحمتي سبقت غضبي، إذًا هذا الحديث ليس لمن استحقّ الرحمة بعمله، ولكن لمن استحقّ الغضب بعمله، ومع ذلك فرحمته سبقت غضبه.
(1) صحيح البخاري: (7554) .