الله يقول: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} العلماء تكلموا كثيرًا فيها، وأُعطيكم ما لم يُعطوه. يقول: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} من معانيها أنه عند وقوع العسر قد بدأ اليسر، أنت يا مسكين الآن في اليُسر تنتظر العُسر؛ لأن الله يقول: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} فأنت الآن في الخير فانتظر الشر. هذه خفيّة في الآية. {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} طيب ما الذي قبلها؟ قبل أن يأتي العسر كان اليسر، فاليسر هو الذي جاء، إذًا عند وقوع اليسر يكون بعده العسر لأنه زمن ينقضي، اليسر زمن يقتضي فما ويأتي معه العسر، يتشكّل العسر من أجل أن يُذهب اليسر، فإذا جاء العسر وحلّ بدأ اليسر.
أحد العلماء أرسل رسالة لأحد ملوك عصره وقد ظلمه، قال له:"والله في كل يوم في سجني أنتظر اليسر وأنت في ملكك تنتظر العسر"، أنا أنتظر الرحمة وأنت تنتظر العذاب!.
ومعنى آخر لم يذكروه في هذه الآية: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ، هم قالوا نُكِّر اليُسر فدلّ على تعدُّده، وعُرّف العسر فدلّ على أنه واحد، العسر معهود في الأولى والثانية فهو شيء واحد. ولكن اليسر منكَّر، وكذلك من معاني التَّنكير، أن اليُسر يأتي من غير سبيل معهود، يعني أنت لما تكون في عسر، تنظر إلى هذا الباب، تنتظر أن يأتيك اليُسر منه. وهو مختبئ لك في باب آخر؛ لأنه ليس مُنكَّرًا في كونه يُسران يغلبان عسرًا، لكنه كذلك منكّرٌ في حقيقته فلا تعرف كيف يأتي.
وكل هذا من أجل أن تعلم أن الرحمة تغلب الغضب، (إنَّ رحمتي سبَقَتْ غضبي) ؛ فهذه الرحمة تسبق الغضب على من يستحق الغضب.
بعض الناس يتعجّب كيف وهو يريد أن يعذبه؟! أنتم نسيتم في السورة متى وقع البلاء؟ بعد الكفر إعراض وبعد الإعراض كفر وتكذيب وبعد التكذيب استهزاء، هذا كله من الرحمة، فالله -عز وجل- {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} ؛ لو استعجلوا الخير يُعطيهم، ومع ذلك اليهود الملاعين يقولون: يد الله مغلولة. والقرآن لا يرد عليهم بإطلاق، القرآن عظيم حتى وهو يُطلق الوعد يُعطيه مقيدًا {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} يُقيد.