قال سبحانه: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} انظر التقلّب في الشورى، قال بعدها: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} هذا الَّتحول من أجل الحق الواحد في التعامل مع أمر الله، هذه حكمة الخلق. فلذلك لما الناس يقولون أين الرحمة؟ هذه الرحمة؛ لأنه لو أعطاكم المال كانت مشكلة، لو أعطاكم وفتح لكم العطاء كاملًا مشكلة، الرحمة هو وجودك على ما أنت عليه، تُصارع خلال سُنَّة الوجود لأن تكتسب ما يكفيك، (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا) [1] .
{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} نحن نعلم أن الرحمة هي صفة نفس وهي صفة فعل، هذا رد على جماعات يقولون:"الرحمة فيها الضعف فالله أجلّ من أن يوصف بالرحمة، ولكن الرحمة معناها إرادة الإحسان إلى المحسن"وهذا خطأ؛ الرحمة هي صفة حقيقية في نَفْس الرَّب، وهي فِعل منه -جل في علاه- على كل خلقه، وقلنا أن هذه الآية فيها الدليل على أن الرحمة عامة، وفي السورة نفسها الرحمة الخاصة لأهل الإيمان: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} .
إذًا هي صفة، وبهذا التقرير نفهم أن الله لا يكتب إلا ما كان صفة له بخلاف، ما يُكتب على الخلق، فالله يكتب على نفسه مما هو مقدور عليه وهو محبوب لديه. من الذي كتب؟ الله، ولماذا يقول (كتب) ؟ لماذا هذا التعبير {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ؟ لوجود الصراع، كما شرحنا قوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ} ما منعه؟ كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي: (ما ترددت في شيء) لوجود الصراع؛ يكون في نفس الرب الغضب على فاعله ولكنه لا يفعل، يكون في نفس ربنا إرادة العذاب فيمنعها. وهذا فعله فيمن يستحق العذاب فكيف فعله فيمن يستحق الرحمة؟!
(1) صحيح مسلم: (1055) .