الصفحة 274 من 277

هذا فعل الله بأن يسوق إلى من يستحق العذاب الرحمة، يُمهله، يُعطيه، يؤذنه، ويقيم له من الشواهد إلخ، فهذا فعله فيمن عصاه فكيف فعله فيمن أطاعه؟!

لكن لماذا يمنع عنه؟ ولماذا يبتلي الصالح، كما ابتلى أنبياءه؟ لأن هناك من المراتب القدسية في الجنة ما لا يبلغها العبد إلا بالعناء، قال -سبحانه وتعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ، البشر عند الله قسمان، والبقية الثالثة ليس لهم أي قيمة. هذا خطاب لمجتمع مؤمن، فقط أبلوكم من أجل أن أُدخلكم في هذين القسمين، والباقي ما زال لم يُبتلى أو لا يستحق العطاء والمنع ولا غيره، قال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ} ، المجاهدين هذا أولًا، قال: {وَالصَّابِرِينَ} الذين ابتلاهم الله {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} فقط.

فإذًا عندما يبتلي الله -عز وجل- عبده ونبيه ويبتلي الصالح، ما الذي يريده؟ يريده في مقامات لا يبلغها إلا بهذه المرتبة، هل هذا من الرحمة؟ لما الطبيب يمنع المريض الماء، يقول له: اليوم لا تشرب الماء، هل هو غاضب عليه أم رحيم به؟ فالأنبياء لما يُبلون في الدنيا رحمة بهم؛ لأن الله -عز وجل- لا يُعطي عطاءً كما يعطي على الصبر، قال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، الله وهو الذي أحصى كل شيء عددًا يقول: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} الله الذي لا يفوته شيء بلا عدد ولا حساب يقول -جل في علاه-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} !.

انظر إلى قوله: (كتب) وتأمل.

قوله: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} الله له نفس، فيصح أن تكون نفسه بمعنى ذاته.

في الحديث: (إنَّ اللهَ خلق الرَّحمةَ يومَ خلقها مائةَ رحمةٍ، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً، وأرسل في خلقِه كلِّهم رحمةً واحدةً) [1] الدابة، الإنسان، الحيوان، كل شيء يتراحم بهذا القِسم من رحمة الله، ويوم القيامة

(1) صحيح البخاري: (6469) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت