فمن الذي أعطاه الجمال؟ إنما هو الله، ولذلك كل حمد يقع في الوجود الذي يستحقه هو الله، ولذلك كلمة الحمد التي هي (ال) الاستغراقية التي استغرقت كل المحامد في الوجود إنما الذي هو يستحقها الله.
وتقع على جهة المجاز لغيره، لجهة المجاز على غيره؛ لأنه لولا توفيق الله -عزَّ وجلَّ- وعطائه لهذا ما وقع الفعل الطيب منه لك، فلم يستحق الحمد إلا لِما أعطاه الله، فمحامد الوجود كلها إنما يستحقها الله -سبحانه وتعالى-.
فهذه كلمة (الحمد) العظيمة التي يؤول أمرها استحقاقًا لربنا -جل في علاه-.
وهذه كلمة (الله) ، لم يقع الحمد في القرآن إلا منسوبًا إلى الله اسم الجلالة، ما قال: الحمد لفاطر السموات والأرض، ولا قال: الحمد لخالق السموات والأرض، ولا قال: الحمد لمنزل الكتاب، بل لم ينسب الحمد إلا لاسم الجلالة. ولا لصفة من صفاته؛ ما قال: الحمد للقدوس، ولا للسلام، ولا للرحيم، بل ما نُسب الحمد إلا لاسم الجلالة؛ ذلك لأن اسم الجلالة هو الاسم الجامع لكل الخصال الحسنى في ربنا -جل في علاه-، ولكل أفعاله الحسنى -جل في علاه-، ولكل أقواله الحسنى -جل في علاه-، فلا تستحق هذه الكلمة الجليلة وهي كلمة الحمد إلا أن تُنسب لهذا الاسم، إلى الله -سبحانه وتعالى- الذي قال الله -عزَّ وجلَّ- فيه: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، ليس هناك أحد يستحق أن يُقال له: الله، إلا الله.
ولذلك لا تُقال الحمد إلا منسوبة لهذا الاسم الجليل الجامع لكل أسماء الله وصفاته، ولكل أفعاله جل في علاه. فلذلك لا يُقال إلا الحمد لله.
فلذلك أنت لما تقرأ هذه الكلمة وتستفتح بها ما يأتي بعدها كله تفصيل، بمَ يستحق ربنا الحمد، وبمَ وقع الحمد، وكيف يقع الحمد؟ في الأولى والآخرة، بعد نصره على الأعداء، بعد نزول الخيرات، بإنزاله الكتب وإرساله الرسل، فلذلك هذه الكلمة حين تُستفتح بها السورة عليك أن تربط كل ما ذُكر فيها من الخير ومن الشرائع ومن الأفعال الإلهية الجليلة ومن أسماء الله وصفاته -سبحانه وتعالى-، إنما ينبغي أن تُعيدها إلى هذه الكلمة فلا يخرج من قلبك إلا هذه الكلمة؛ الحمد لله.