الصفحة 42 من 277

ولذلك لما رجل قال:"الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه"حارت الملائكة في كتابتها، لأنهم علموا الحمد لله استغرق الرجل في الحمد، وانظروا إلى ما ذكرناه من جلال الثناء على الجميل الاختياري، هذا رجل قالها على المعنى الذي قالها الصحابي:"الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهك"، سبحان الله! أي معنى قُذف في قلب هذا القائل من العظمة لربنا حتى تفجَّرت هذه الكلمة بأن عَلِم أن وجه الله له الجلال التام؟! الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح عن وجه ربنا: (حِجابُه النورُ. لو كشفه لأحرَقَتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه) [1] ، ولذلك لما تجلَّى ربنا للجبل قالوا تجلى منه مقدار يسير بأن كشف الحجاب -جل في علاه- حتى هذا الجبل صار دكًا.

كيف يرونه يوم القيامة، ويرون وجه الله؟ لأنهم حينئذ ينتقلون إلى النور. النور كما سيأتي في {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} يوم القيامة بدنك غير هذا، والدليل أنك تجلس يوم القيامة على النور، -أهل الفيزياء لهم كلام لا أريد أن أضيع أوقاتكم فيه-. فقال - صلى الله عليه وسلم: (إنَّ للهِ جُلَسَاءَ يومَ القيامةِ عن يمينِ العرشِ، وكِلْتَا يدَي اللهِ يمينٌ، على منابرٍ مِن نورٍ هُم المُتحابُّونَ بجلالِ اللهِ تباركَ وتعالى) [2] ، فحين تكون أجسامهم لها صِبغة تستقر على كراسٍ من نور حينئذٍ يكون لهذه الأبدان قدرة على رؤية وجه الله، فلا تسأل كيف ولا تسأل لماذا، لأنك حينئذ شيء آخر.

وإن أردت أن تدرك هذا فانظر إلى ما وقع لحبيبك - صلى الله عليه وسلم - من معاني النور وقد أُسري به وعُرج به، الملائكة يعرجون في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، -ولا أريد أن أضيع أوقاتكم في كلام الفيزياء والنسبية ولهم كلام رائع فيها-. ولكن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لما صُعد به صُعد بهذا المعنى، فإذًا هذا جسد آخر؛ لأنه لو أن جسدك سار بسرعة النور لاحترق وتغير، ولما عُرج كان البراق يضع قدمه حيث ينتهي بصره وهذا في الأرض، فكيف كان جسم هذا الذي فوق البراق؟! وهو حبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

(1) صحيح مسلم: (179) .

(2) صححهُ الألباني في صحيح الترغيب: (3022) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت