ثم بعد ذلك هذا النبي صعد إلى السماء بطريقة لا نعرفها، ولكن قطعًا أن جسمه قد صار فيه نوع نورانية، شيء آخر.
فيوم القيامة تتحول، فالذي ينظر من نور، والمرئي -جل في علاه- هو النور، وحجاب ربنا هو النور.
ولذلك -سبحانه وتعالى- لما قال هذا العربي:"الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهك"، أنا أسألكم كم مرة وأنتم في السيارة وفي الباص أو على فرشكم أو جلوس لا تسمعون لدروس فقط، وذهبت أفكاركم وظنونكم في التأمل في عظمة وجه الله؟ نحن ما زلنا ننظر إلى نعمة الله، يعني يُمكن لك وأنت جالس فترى زوجتك خادمة لك، تقول:"الحمد لله الذي رزقني هذه الزوجة". ممكن تَعُدّ القروش وتفتح دفتر الشيكات فترى الأموال تقول:"الحمد لله الذي رزقني الأموال". معاني الحمد في هذا الباب يمكن أن تنشأ، لكن بالله عليكم أجيبوا أنفسكم كم مرة حمدتم الله لمَّا تأملتم عظمته وجلاله وجلال وجهه؟ بينك وبين نفسك جلست فتأملت في هذا المعنى فقلت: الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه، ليس لما أعطاني؟!
فقال:"الْحمدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُباركًا فيه، كَما يُحِبُّ ربُّنا أنْ يُحْمَدَ ويَنبِغِى له"؛ وهذا هو الذات،"وعظيم سلطانه"؛ وهذا هو الفعل، فاستغرق كل ما ينبغي أن يُحمد به الرب، فتسائلت الملائكة: كيف نكتبها يا ربنا؟ (قال: اكْتُبُوها كَما قال عَبْدِي) [1] .
فإذا بلغت المحامد لهذا الذي لا ينتهي كان الجزاء لما لا ينتهي، قال - صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) [2] ، هؤلاء لهم هذا، لمَّا كانت محامدهم لا تنتهي لربنا -سبحانه وتعالى-.
فقوله -سبحانه وتعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ؛ قال العلماء: الخلق هو الإيجاد من العدم. وهناك فن في العرب لا بأس أن أذكره وليس هو من المشقة، كل شيء تبذل ذهنك من أجل فهمه وإدراكه إياك أن تحتقر نفسك، إياك أن تقول هذه لست فاهمها وتُدير وجهك، إياك! هذه ليست
(1) قال الألباني في السلسلة الصحيحة: (إسناده رجاله ثقات لكن خلف وهو ابن خليفة كان اختلط في الآخر) .
(2) صحيح مسلم: (2825) .