الصفحة 44 من 277

نصيحة مني، هذه نصيحة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (واستِعِن باللَّهِ ولا تعجِزْ) [1] . انظر إلى هذه الكلمة: ولا تعجز، ما معنى لا تعجز؟ لأنك لو قلت: أنا لا أستطيع على قاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) [2] ، فحين تقول لا أستطيع: فقد دمَّرت نفسك، هذه الكلمة لا تؤذي أحدًا في الدنيا كما تؤذيك أنت.

الكلمات والرؤى بعض الناس يظن أنه يكسب بها الناس، أو أنه يضحك بها على الناس، أو يخسر بها الناس، والحقيقة أن الذي يقع منه الخطأ إنما هو يخسر نفسه أولًا، والدليل قوله - صلى الله عليه وسلم: (المُتَشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور) [3] ، ما قال واحد، المتشبع بما لم يُعط يعني الذي يحب أن يُحمد بما لم يفعل، يقول: أخذت، أكلت، اغتنيت، ربحت، وليس من هذا شيء!، فهذا متشبِّع يعني طلب الشبَّع بالهواء. بعض الناس يشبعون بالهواء، للأسف في الماديات لا تنفع، ولكن المعنويات أوسع من الماديات.

الناس يقولون مثلًا عن الدعاية والإشاعة يقولون: لا دخان بلا نار، هذا صحيح لكن هذا في الماديات، في المعنويات هل يمكن؟ بمعنى يمكن للرجل أن يكذب على الرجل ويتهمه بما ليس فيه من غير نار؟ في الماديات ممكن، ولكن في المعنويات الباب واسع، كما قال الشاعر:

لي حِيْلةٌ فِيمَن يَنُمُّ ... وليس في الكَّذابِ حِيلة

النمام يمكن أن أعالجه، أجلس معه ولا أخبره بالقضية فينقطع خبره ونمُّه. ولكن الكذاب كيف تصنع معه؟ إن جلس معك أو لم يجلس. فلذلك المعنويات أشمل وأعظم.

قال: (المتشبِّع) يعني طالب الشَّبَع، (بما لم يُعطَ) أي بما ليس عنده، ما قال كلابس ثوب زور بل قال: (كلابس ثوبَيْ زور) ، الثوب الأول علمناه وهو أنه يريد أن يتزيَّى أمام الناس، الثوب الثاني على من يضحك؟ الأول يريد أن يزوِّر على الناس، الثاني يزوِّر على من؟ الصحيح أنه يزوِّر على نفسه، لقوله - صلى الله عليه وسلم:

(1) صحيح مسلم: (2664) .

(2) صحيح مسلم: (2623) .

(3) صحيح البخاري: (5219) ، صحيح مسلم: (2129) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت