(وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا) [1] ، بعض الناس يظن يُكتب يعني على جهة الشرع، الصواب أنه يُكتب على جهة القدر، بمعنى هو يُفسِد بعد ذلك عقله وتصوَّره ورؤاه، فلو طُلب منه أن يَصِف الشيء على حقيقته لا يستطيع؛ لأنه تعوَّد الكذب وألا يرى الأشياء على حقيقتها، فارتد كذبه على نفسه حتى أنه لا يستطيع أن يَصدُق مع نفسه.
نرجع إلى قوله -سبحانه وتعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ} ؛ فالخلق إيجاد من العدم.
وهنا أنا ذكرتها على مسألة لغوية مهمة، العرب لهم كلمات يمكن أن تنطبق على الشيء انطباقًا تامًا، وهناك صفات يمكن أن تشترك فيها أشياء متعددة، والمعاني قد تختلط. الآن الإحسان هل يمكن أن يختلط مع الحب في بعض جوانبه؟ يمكن، ويمكن أن يختلف معه، حين تُحسن إلى فلان لسبب حبك له، فالإحسان سببه الحب، إرادة الخير. ولكن يمكن أن تُحسن بلا حب، كما قال -سبحانه وتعالى-: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فالله -عزَّ وجلَّ- أمر أبا بكر أن ينفق على مِسطح بن أُثاثة مع أنه يُبغضه لأنه شارك في مقالة الزور في أمنا عائشة -رضي الله تعالى عنها-.
فالكلمات المعنوية من الصعب تحديدها، كلمة (الحب) تُحدَّد، كلمة (الإحسان) تشترك معها وتختلف. العرب من بلاغتهم وعظمتهم أنهم حين تشترك الكلمة مع غيرها يُجيزون لك أن تستخدمها بدل الكلمة الأخرى.
نحن قلنا: (ولا تعجز) ، الأمر سهل، الكلام يسير جدًا لا تقل: الكلام كبير؛ كلمة توضع لمعنى، وكلمة توضع لمعنى، قد يشتركان في بعض المعاني يجوز حينئذ أن تستخدم هذه الكلمة لهذا الجانب وهذه الكلمة لهذا الجانب.
(1) صحيح مسلم: (2607) .