الصفحة 54 من 277

كما خلق السماوات والأرض، خلق الظلمات والنور؛ فلماذا نوّع اللفظ هنا؟ فقال: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ، ثم نوّع بقوله: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ؟

ابن جرير الطبري -رحمه الله- يقول:"هذا من تنويع الخطاب، لئلا يثقل على اللسان"، فالتكرار يؤدي إلى الِملال، وهذا كلامٌ لا يرضاه أهل البلاغة، بالرغم أن من قاله شيخ المفسرين وإمامه، والناس عالةٌ عليه في تفسير كتاب ربنا، الإمام ابن جرير الطبري، فقالوا: هذا كلام غير صحيح؛ فإن القرآن لا يمكن أن يقع فيه الملال، حتى لو قال، فإننا نرى فيه الكلمات مكررة، ولا يقع منها الملال.

كما في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، وردت واحدًا وثلاثين مرة؛ الثمانية الأولى وردت في الجنة الأولى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} ، وثمانية وردت في: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} ، في الجنتان، وهما الجنتان التاليتان في المرتبة؛ وهذا يُفصَّل في السورة التي بعدها: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} ، الناس، كم قسم الناس؟ ثلاثة، المؤمنون على قسمين: سابق وأهل يمين، والكفار لهم جهنم، وهي دركات، ولكن لأهل الإيمان جنتان؛ أما جنة ذواتا أفنان، فذُكرت: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، في الجنة الأولى ثمان مرات، ثم ذكرت في المرة الثانية ثمان مرات، وذُكر أهل الكفر سبع مرات، وذُكر خلق الله في الابتداء وما فيه ثمان مرات، فكان العدد واحدًا وثلاثين.

فهنا قالوا: بأن الملال لا يقع في القرآن حتى مع التكرار، وإذا كُرِّر فلا بد من معناه، ولا بد من بلاغةٍ، لا بد من المصير إليها، فهذا التنوع لا بد أن نبحث فيه.

الذين قرأوا القرآن قراءة تبصُّرٍ فيه وجدوا أن الجَعْل هو خلقُ الأعراض أي الصفات-أنا أفسر الكلام-، بخلاف الخلق؛ فيكون للأعراض ويكون للأشياء ابتداءً.

فلما ذكر ربنا -سبحانه وتعالى- السماوات والأرض لم يذكر أعراضها، لم يذكر صفاتها؛ ما قال -سبحانه وتعالى- عن عظمتها: وجعلتها عظيمة، ولا قال: وجعلتها متسعة؛ إنما ذكر أصلها، فناسب أن يقول: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ؛ لكن لما جاء إلى عَرَض، إلى صفة من الصفات، قال: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ؛ فإن الظلمة عَرَض -صفة-، والنور صفة؛ فلذلك ميّز بين قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ، و {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ؛ إذًا الجعل إذا قابل الخلق يكون إيجادًا للصفات، بخلاف الخلق يكون لإيجاد الصفات ولإيجاد أصل الشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت