الصفحة 55 من 277

فلما كان ذكر السماوات والأرض، هو إخبارٌ عن خلق الشيء من العدم، وكان دليلًا على أصل إيجاد الشيء، قال: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ؛ لكن لما كانت الظلمة صفة، قد يوصف الشيء بالظلمة، شيءٌ مظلم الظلمة صفة له، شيءٌ منوّر، فإذًا النور صفة.

والجَعْل في القرآن له معانٍ، منها:

• معنى الخلق: وهو الإيجاد.

• ومنها معنى الاعتقاد، كما قال -سبحانه وتعالى-: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} ، جعلوا يعني اعتقدوا.

• والجعل بمعنى الصيرورة، وهذا -لمن يعرف اللغة- يقولون: إذا جاءت حاملة لفعلين، كقولك: جعلت الحجر تمثالًا، أخذت مفعولين، فإذا جاءت كلمة جعل مع مفعولين دلّت على الصيرورة، أي: صيَّر، جعل الخير شرًا فهذا بمعنى صيّر، بدّل؛ إما على جهة التبديل الخلقي، كما ذكرنا جعل الحجر تمثالًا، وإما على الجهة المعنوية، في قولنا: جعل الخير شرًا؛ قال أهل العلم: إذا جاءت كلمة جعل بمفعولين دلت على الصيرورة، أي: على التغير والتبدل؛ فلابد من ذكر ما كان، وذكر ما صار؛ جعل الظلمة نورًا، جعل الحق باطلًا، جعل الحجارة تمثالًا، أو ما شابه ذلك.

أما {الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ، العلماء لهم كلام طويل فيها، لكن هنا لا بد أولًا نقف، لماذا قال: {الظُّلُمَاتِ} على صيغة الجمع؟ وقال: {النُّورَ} على صيغة الإفراد؟ لماذا؟ للعلماء مسلكان، وسنرى الفارق بينهما وسيكون هذا مفتاحًا حتى نعرف كيفية قراءة كتب السلف، يعني لو قرأتها أنت تقول كلامًا عاديًا، لكن لما تقارن بين كلام أهل العلم في كتبهم؛ تستطيع أن تميز أذواقهم، القاعدة التي قلناها: بم تميز أذواق الناس؟ بم تميز عقولهم؟ تميزهم بكلماتهم، بما ينطقون. ربما في أربعين أو خمسين تفسيرًا، كلهم يقولون: إنما عُدِّدت الظلمات لصفة خلقها على جهة القدر؛ يعني الظلمات لا تكون ظلمة، على معنيين:

• إما أن الظلمات متعددة، كأن تقول: ظلمة القبر، فهذه ظلمة، وتقول ظلمة البحر، وتقول ظلمة المغارة، هذه ظلمات، ظلمة المسجد إذا أُطفئ النور؛ لكن من الذي يُذهب كل هذه الظلمات؟ واحد، إذًا النظر إلى الظلمة باعتبارها قدرًا متعددًا، خلقًا متعددًا.

• أو النظر إلى أن الظلمة ليست شيئًا واحدًا في ذاتها إنما الظلمة هي سُدفٌ مجتمعة؛ فإن الظلمة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت