الصفحة 56 من 277

داخل هذا البيت لو أظلم، ذهبت الشمس، ذهب الضوء؛ فإنها لا تكون ظلمة واحدة، إنما هي طبقات، فهذا لمن نظر إلى تعدُّد الظلمات، باعتبار تكوينها وأن الذي يُذهبها نورٌ واحد.

هذا ربما لم أجد تفسيرًا ممن خاض في هذه المسألة إلا ذكرها؛ ولما ترجعوا إلى كتابٍ هو بين أيديكم، والناس حين يستنصحون: دلونا على كتاب تفسير. فكل مرة تقول لهم: عليكم بهذا التفسير. وهم يقرأونه يقلبونه، ولا يعرفون عظمته، وما فيه من صفات، وما فيه من خصالٍ وميزات، لا ينتبهون لها.

ابن كثير قال:"والمقصود في تعدد وجمع الظلمات وإفراد النور وذلك للتعظيم"، واستدل بقوله -تعالى-: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا} ، فلما كانت الشمائل أقل جُمعت، متى يكون الرجل عظيمًا؟ إذا كان مفردًا، متى يكون الشيء عزيزًا؟ كلمة العزيز مأخوذة من معنيين:

المعنى الأول: عزَّ الشيء، نقول هذا شيءٌ عزيز: يعني قليل؛ فتصور أن شيئًا لا يوجد إلا هو في الوجود، كيف يكون عظيمًا؟ لكن لو تعدَّد تقل قيمته، فكلما كان نادرًا كلما غلا وعظُم شأنه؛ فلما كان اليمين عظيمًا أفرده، ولما كانت الشمائل على غير ذلك عدَّدها؛ فقال: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا} ، هذا المعنى أخذه ابن كثير، وقال:"لما كان النور عظيمًا عزيزًا أُفرد، بخلاف الظلمات، فإنها ليست كذلك"؛ لهذا السبب نقول: اقرأ ابن كثير؛ فإنك لا تعرف قيمته حتى تقارن بينه وبين الآخرين.

قوله -سبحانه وتعالى-: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} .

الظلمة معروفة، والنور معروف. -أنا لا أفسر الكلام، أنا فقط آخذ كلام أهل العلم وأفسره لكم لا أزيد؛ لو رجعت إلى بعض التفاسير، تجد هذه الكلمات تمر عليك، فإذا لم تفهمها لم تتذوقها-، قولهم: الظلمات أمرٌ سُلوبي، والنور أمرٌ وجوبي؛ ويقصدون بهذا أمرًا عظيمًا مهمًا جدًا، هذا ليس فقط متعة للذهن، سنبيّن أهميته في بنائك أيها المسلم، في حركتك في الحياة، ليس المقصد أن نأخذ هذه الكلمات ونتمتع بها، إن لم تنزل نورًا في القلوب، تتحرك بها الإرادات في الطاعة والعبادة، فهذا العلم لا يفيدك. أنت جلست كأنك حضرت مباراة كرة قدم وتمتّعت بها وخرجت وانتهى الموضوع؛ إذا لم تتحوّل هذه المعاني إرادةً في قلبك، فأنت قد ضيَّعت وقتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت