فقولهم: {الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ؛ قال: الظلمات شيءٌ سلوبي، ما معنى سلوبي؟ يعني هي ليست شيئًا في ذاتها، والنور أمرٌ وجوبي: هو أمرٌ حقيقي يُثبَت بذاته، ومعنى الكلام أن الظلمات لا تكون إلا مع غياب النور، ما هي الظلمات؟ هي غياب النور، فإذا حضر النور لم تكن الظلمات، فالظلمات لا تستطيع أن تحضر، لما قال النبي: (إذا أقبل الليل) ، كيف أقبل الليل؟ بغياب الشمس، إذًا لا يستطيع هو أن يأتي؛ وكل ما في الوجود من معاصٍ هي ظلمات، والحق هو النور، وسبب وجود الظلمات في الوجود هو غياب النور، فلو جاء النور لذهبت الظلمات.
انظر إلى قوله تعالى-: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} ؛ ما قال: صار، بمجرد أن يأتي الحق وهو النور، تذهب الظلمات. {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} ؛ فأهل الحق حين يشكون من ضعفه إنما يشكون من عجزهم، وكسلهم في عدم مشيهم بالحق لإذهاب الباطل، وإلا: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} .
قوله: {زَهُوقًا} : جاء بصيغة الحال الدالة على الاستمرار، لأنه ليس للباطل إلا هذه الصفة، الباطل ليس له إلا هذه الصفة، أنه {زَهُوقًا} ؛ هذه {زَهُوقًا} حال، والحال دالٌ على الاستمرار. ما معنى {زَهُوقًا} ؟ أي لا روح له، زهوقًا يعني"هرّيب"، يذهب، يزهق؛ وقوله: {زَهُوقًا} دلالة على أنه لا روح له، دائمًا هو زاهق، فأين تأتي إليه الروح ليحصل له الزهق؟ وهو {زَهُوقًا} على صفة الدوام؛ إذًا هو لا روح له، وإنما يحصل له الوجود، بسبب غياب الحق.
ولذلك قالوا: الظلمات سلوبية، يعني ليس لها حقيقة إلا بغياب النور، هذا هو الواقع؛ وهذا نستفيد منه في حياتنا.
{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ؛ قوله: قذيفة، وذلك لذاته، لا بمعنى القوة التي فيه، أو القوة في الفعل الذي حدث. قوله: {بَلْ نَقْذِفُ} ، وانظر إلى فعل الرد، لما قال: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} هذا فعله، نسب الفعل للحق: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} ؛ لكن لما كان الفعل منسوبًا إلى الله، ماذا قال؟ {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ} ؛ فدل على أنه في الواقع يمشي الحق فقط، وأما أثره فهذا فعل الرب، هو الذي يحارب؛ لما إنسان يعادي الحق يحارب من؟ يحارب الله.
لذلك ذكر الله قال: {بَلْ نَقْذِفُ} ؛ هذا فعل الله، وفعل الله لابد أن يظهر فيه الجلال، وأن تظهر فيه العظمة، وأن يظهر فيه الكبرياء، وأن يظهر فيه القوة؛ وأما الحق حتى مع أنه الحق فيأتي أنه يمشي.