فقوله -سبحانه وتعالى-: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ؛ ما معناها الظلمات على المعنى التكويني؟ هناك بعض أهل العلم من قال: الظلمات المقصود بها المعاصي والكفر والشرك، والنور: إنما هو الهداية، ابن عطية -إمام من أئمة التفسير المغاربة- قال:"هذا لغز القرآن، ولا ينبغي حمل القرآن على هذه المعانِي البعيدة"، وإنما المعنى الذي يلائم أنه قال: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ؛ فبعد أن خلق السماوات والأرض، قام فيها عرَض الظلمة، وقام فيها عرَض النور.
لماذا قُدِّمت الظلمات على النور؟ بعض أهل العلم قال هذا لأن الظلمات هي الأصل في الشيء، ويأتي النور بعد ذلك عليها؛ وأول ما خلق الله الظلمة، ثم أفاض عليها من نوره -جلّ في علاه-.
قوله -تعالى-: {النُّورَ} : هذه كلمة عظيمة، تفصيلها في نسبتها لربنا: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، هذا محلها في سورة النور، وهذه سورة جليلة، سورة النور سورة النور؛ لما فيها من أحكام شرعية يُنير الله -عز وجل- بها المجتمعات الإسلامية، بغضّ البصر وحفظ الفرج، ما بين غض البصر وحفظ الفرج أحكامٌ كثيرة؛ منها مد اليد، منها الحديث باللسان، إلى غير ذلك مما تعلمون.
قوله -تعالى-: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .
تكلمنا عن حروف المعاني، حرف ثم، هذا لتعرفوا لما قال ابن خلدون -رحمه الله-:"إن الله -عز وجل- جعل القرآن معجزًا ولم يجعل الإنجيل معجزًا، ولم يجعل التوراة معجزًا؛ لأن اللغة الحاملة لهذا الإعجاز"، لغاتهم لم تكن قادرة على الإعجاز، ولما كانت هذه اللغة لغةٌ شريفة، لغةٌ جليلة، هذه اللغة العربية لغةٌ شريفة، ولغةٌ جليلة، ولغةٌ عظيمة، والقرآن حافظ عليها حتى في أصواتها.
ما أول سورة تعلمها لابنك بعد الفاتحة؟ قال أهل اللغة:"أول ما يذهب من اللغات أصوات الحروف، أصوات الكلمات"؛ أول شيء إذا قدَّر الله أن تذهب لغة من اللغات يُذهب أصواتها، أصوات كلماتها مِن سَمْع وألسنة متكلّميها، انظروا القرآن كيف حافظ حتى على السمع، ماذا قال؟ انظروا لهذا التكرار، انظر لذوقك! {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ؛ هو يريد أن يجعلك تكرر هذه الكلمة، مع المعاني العظيمة، ولكن ليس هذا فقط هو المعنى المراد، ولكنه من المعاني التي يريدها الله.