فقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ؛ (صوت السين) ابنك لازم يُخرجها، ويأتي السين يقول سيبويه:"حرف السين حرف صفير"، ويضبط لك مخرجه على الدقة. {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ* مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} ، انظر! بعد ذلك: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ؛ الصغير ثقيلة عليه، لكن لا، اقذفها، فهو يستطيع أن يتحمّلها، بل يتقنها خيرًا من إتقانك: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} ؛ وهكذا.
فالقرآن حافظ ليس فقط على كلمات، ولا على تراكيبها، ولا على بلاغتها، ولا على جلالتها؛ حافظ على اللبنة الأولى فيها، وهي صوت حروفها.
فهذه كلمة {ثُمَّ} -وليس هذا من المبالغة-، لما وقف العلماء على كلمة {ثُمَّ} ؛ هنا وضعوا أنفسهم أمام مقامٍ جليل، {ثُمَّ} ماذا تعني؟ العلماء والناس العاديّون يعرفون من معاني الحروف أن (ثم) تفيد التراخي؛ هذا كلام عادي أمِرُّوه بسرعة، ولكن هذا لا ينفع البلاغي، لا يكفي.
والفرق بين (ثم) و (الفاء) و (الواو) معروف؛ قالوا: (ثم) تفيد: التراخي، و (الفاء) تفيد: الفُجائية، و (الواو) تفيد: مطلق الجمع ولا تفيد الترتيب؛ يعني لو قلت: جاء عمرٌ وعلي، لا يعني أن عمر قد سبقه، فقط مطلق الجمع أنهم قد جاءا معًا. لكن هذه (ثم) لماذا؟ ما هو الشيء الذي هو فوق ما يريدونه من التراخي؟ قالوا:" {ثُمَّ} بسبب تراخيها، أوجدت معنًى عظيمًا وهو الاستبعاد"، ما معنى الاستبعاد؟ بعد كل هذا: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ؟! واحتجوا ببيت الشعر:
يرى غمرات الموت ثم يخوضها؟!
فـ (ثم) هنا تفيد الاستبعاد؛ لكن كيف نشأ الاستبعاد؟ من بطن الاسترخاء. لو قلت: جاء عمر فعلي. فدل علي أن علي جاء عقب عمر مباشرة؛ لكن لو قلت: جاء عمر ثم علي، فبينهما تراخٍ، وهذا مكرر في القرآن -إلا في مواطن أشكلت على بعض أهل العلم-؛ ولكن لم يقف عندها أهل البلاغة، لم يقولوا استرخاء؛ {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، قالوا: ثم هنا تفيد الاستبعاد؛ لأن الاسترخاء أو التراخي إنما يفيد التفكُّر.
بمعنى أنك حين تتفكر، فترى خلق السماوات، وأنه لا يمكن إلا أن يكون هو الله هو الذي خلقها، وهذه الأراضيين، ولا يمكن إلا أن يكون هو الذي خلقها؛ وتتأمل في عظمة النور، وتتأمل في هذه الظلمة، فبعد أن ترى كل هذه القدرة: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} !؛ فلما كان الاسترخاء تفكرًا، كانت النتيجة مستبعدة؛ فقال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} . فهنا {ثُمَّ} تفيد معنى الاستبعاد، وقلنا احتجوا بقوله: