يقول الإمام الشافعي في (الرسالة) -وفيه من الحديث عن البلاغة أعظم وأجلّ مما قاله في الأصول-، يقول:"وسر العرب أنه كل ما كان الكلام أَلْغَز كان أبلغ"، ما معنى الكلام؟ يعني كلما أخفى المتكلِّم معناه كلما كان أبلغ، وحينئذ لا يفهم عليه إلا من عنده القدرة أن ينزل إلى طبقات هذا المعنى الخفي، حينئذ لا يتذوّقه إلا مثله.
من هنا فأنا قلت وأقول لكم الآن: لا يوجد كتاب في الوجود يَمتحن صاحبه ويمتحن عقل قارئه كما يفعل القرآن، أنت عليك أن توقن أن هذا القرآن كلام الله، وفيه كل ما يخطر على بالك من الكمالات، إذن دورك تتعلم كيف البحث والنَّبط؛ أي الاستنباط، ما هو النبط؟ الحفر، النَّفط هو للأعلى، والنَّبط هو للأسفل، فأنت تَنْبِط، عليك أن تتعلم كيفية النبط، تتعلم الأدوات إذا كان هذا المعنى شاقًا والجوهرة في داخل صخور عظيمة تحتاج آلات عظيمة لتصل إليها.
فالقرآن يمتحنك، أنا لماذا لم أفهم؟ أنت توقن أن هناك فهمًا، هنا عظمة، هنا شيء جميل، فتقِف {لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} لهذا نزل القرآن، فلما أنت لا تفهم شيئًا يجب تُكبِّر آلتك، كما أنك بحثت إذا في هذا البيت عن شيء وهو صغير جدًا فإنك تحتاج إلى نور خاص، وكلما كان الشيء كبيرًا يكفي نور بسيط وقد تمسكه في الظلمة، لكن عندما يكون خفيًا تحتاج إلى نور عظيم، هذا هو العلم، بهذه الطريقة أنت تستطيع أن تتذوق، وهنا -انتبه أيها العبد- يُقال لك: (اقرأ وارتَقِ) [1] .
الرُّقي الأول هو رقي آخر الدرجات والحسنات؛ كل حرف بحسنة بعشر حسنات إلى ما شاء الله، لكن رقي العلم، هذا (اقرأ وارتقِ) ، كقوله -عز وجل-: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ، هذه الكلمة ربما صعبة، لكن انظر لقوله - صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له، مع السفرة الكرام البررة) [2] ، مع الملائكة؛ لأنك أنت حين تقرأه سهلًا لك درجة من في القرب من الملائكة، لكن حين تقرأه علمًا فإنك تتَّحد مع الملائكة فيما
(1) صححهُ الألباني في صحيح أبي داود: (1464) .
(2) صحيح البخاري: (4937) .