الثانية، فقوله: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يكون داخلًا فيها أصل وجود الأرض في يومين، فالأرض وما قُدّر فيها من أقوات في أربعة أيام والسماوات في يومين.
طيب السماوات أعظم، فكيف تُخلق السماوات العظيمة التي هي حاوية، وحديث ابن عباس وقد صحّ عنه: أن مقدار الأرض في السماء الأولى كحلقة في فلاة؛ لو وُضعت الأرض في السماء الأولى لكان مقدار السماء الأولى كحلقة في فلاة، فإذًا السماوات أعظم، كيف تُخلق الأرض في يومين، ويُقدّر ما فيها من أقوات في يومين؟ فتكون الخلقة في يومين ثم يكون تقدير ما فيها من أقوات يكون في يومين، وهذا مقدار خلق السماوات؟
أولًا: ابتداءً هل ربنا -جل في علاه- يقدر أن يخلق السماوات بـ"كن"دون هذا الزمن؟ سواء كان زمن النور، الذي قال: {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} أو بزمن آخر {خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ، أو كأيام مثل أيامنا، خلق السماوات والأرض لم يخبرنا القرآن بكيفيتها، فهل احتياج هذه الخِلقة إلى أيام بسبب عجز القدرة عن خلقها في لحظة تنبثق إلى الوجود؟ الجواب: لا، الله قادر أن يقول:"كن"فيكون، لكن هذه الخِلقة أُوجِدت زمنًا لحاجة وجودها الزمني السُّنني في إيجادها، ولذلك قال: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} فاحتاج تقدير القوت إلى يومين، لماذا؟ ليجري نبت الخلق في الأرض إلى مدة سُننية قدرها الله في الخِلقة.
الآن الله قادر إذا قدّر للولد أن يكون بمجرّد أن يقذف الرجل ماءه في المرأة أن يقول له: كن، فيخرج، من الذي يخلقه في بطن أمه؟ من الذي يرعاه في بطن أمه؟ الله هو الذي خلقه، لكن لماذا احتاج تسعة شهور؟ لأن هذا الزمن هو ما قدره الله سنة في نمو ورعاية هذا الجنين، فالوقت هنا تسعة شهور ليس للحاجة وضعف القدرة، ولكنه لجريان الفعل على مجرى السنة. ودليل هذا أن ما فيها من الأقوات هو أقل جهدًا من خلق السماوات، وأقل جهدًا من خلق الأرض، لكن لأن نمو قوتها يحتاج إلى جريان السنن فاحتاجت إلى يومين.