الصفحة 81 من 277

فقوله -سبحانه وتعالى-: {خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} ، وفي خبر آخر {مِنْ تُرَابٍ} قبل الطين، ثم الطين يصلب ويزيد صلابة فيصير حمأ مسنونًا، أي طين فيه رائحة لطول مدته، الحمأ عندما يكاد يجف، فإذ جفّ جفافًا تامًّا كان {صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} ، والصلصال تكرر حرف الصاد مرتين وحرف اللام مرتين، ليدل على الصوت، لأن الصوت لا بد فيه تكرار فكانت بلاغة الكلمة موافقة لحال معناها، فقال:"صلصال"لأنك لو ضربت عليه خرج صوتًا صار كالفخار، لو ضربت أخرج صوتًا.

فهذا التّرقي ليس لحاجة القدرة إليه، ولكن لجريان السنة عليه. القدرة تقول:"كن إنسانًا"، فيكون إنسانًا وهكذا.

وذكر أنه يُخلق من الأرض ثم يُصعد به إلى السماء، فيكون تامّ الخِلقة بعد نفخ الروح فيه في الجنة ثم يجري ما جرى، تكرر في القرآن في مواطن متعددة، لما بدأ الحديث عن التكوين الإلهي للوجود في سورة البقرة -وفيها تفصيل لا يوجد في غيرها-، فلم يُذكر أصل خلقة الإنسان فيها بخلاف الآيات الأخرى فإنه ذُكر أصل خِلقة الإنسان، في الأعراف ذُكر أصل خلقة الإنسان، وفي (ص) ذُكر أصل خِلقة الإنسان، في هذه السورة ذُكر أصل خِلقة الإنسان، في الرعد ذُكر أصل خِلقة القرآن، في البقرة مع أن الحديث يدور عن مرحلة ما قبل النزول إلى الأرض لم يُذكر مما خُلق الإنسان؛ لأن مجرى هذه الآيات هو مجرى التكريم الإلهي للإنسان فأغفل ذكر أصل خِلقته، فيذكر سجود الملائكة وتعظيم الإنسان وشأنه، فلم يأتي على ذكر أصل خِلقته، تعظيمًا لهذا الإنسان حتى لا يُذكّره أنك من ماء مهين وأنك من طين.

فقوله سبحانه وتعالى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} ؛ هناك من المعاصرين من قال: هناك خِلقة قبل آدم، والخِلقة الأولى لم تكن آدم وكان هناك إنسان قبل آدم، وقالها بعض من لا يُتّهم في دينه كالأستاذ عبد الصبور شاهين، ولهم كلام في هذا وهذا كلام باطل لا شأن له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت