قوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} ؛ قالوا: يعني قضى ما جرى عليه من علم الله وكتابته في الحياة الدنيا، وبقي هناك قضاء مؤجَّل هو عنده يوم القيامة، بأن يبقى في مُستَقَرِّه إما في جنة وإما في نار، فكأن الآية تتحدّث عن خِلقته وعن حياته وتتحدّث عن مستقرّه. الآية تتحدّث عن خلقه، خلقه من طين، {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} انظر ما أعطت هذه من المعاني!، أعطت كل ما ذكرنا وأعظم، ذكرت لنا كل ما جرى له في حياته وما علم الله وكتب وقدَّر وشاء وخلق.
ثم بعد ذلك قال: {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} .
أمُرّ عليها وأسأل الله أن أكون مصيبًا، لماذا ذكر الأجل الأول منصوبًا وذكر الأجل الثاني مرفوعًا؟ في اللغة العربية أيهما أَجَلُّ؛ الجملة الاسمية أم الجملة الفعلية؟ الجملة الاسمية أي أن تبدأ بالاسم، فهي أثبت، والجملة الفعلية أضعف، فلما تقول: علي بطل، هذه جملة اسمية دلت على الثبات، لكن لما نقول: جاء علي، فإنها تدل على التغير، جاء ثم بعد ذلك يخرج، لكن تلك ثابتة، فالعلماء يقولون: الجملة الاسمية أقوى وأثبت من الجملة الفعلية.
انتبهوا حتى نعرف مراتب الكلمات، قلنا أن كلام الرجل دليل علمه، وكلام الرجل دليل قلبه، وكلام الرجل دليل بلاغته؛ أيهما أطيب مطلبًا الحواريون أم عيسى -عليه السلام-؟ كل واحد عبّر عما يريد، قال الحواريون: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، ما هو أول طلب لهم؟ ما هو أول شيء خطر على بالهم؟ {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} ، بعد ذلك {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} ، لكن عيسى -عليه السلام- لما طلب من الله قال: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} ، لم يأتِ بسياق الطعام مثل الحواريين، قال: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا} ؛ والعيد عبادة يعني نريد أن نعبدك، انظر الفرق بين القولين لتعرف الفرق بين القلبين!