ومن الفوائد لذلك أن سلام إبراهيم خير من سلام الملائكة؛ فلما دخلت الملائكة على إبراهيم قالوا: {قَالُوا سَلَامًا} ، إبراهيم ما قالهم: سلامًا بل قال لهم: {سَلَامٌ} ، قال أهل العلم:"وسلام إبراهيم أَجَلُّ من سلام الملائكة"؛ لأنهم قالوها بالجملة الفعلية الدالة على عدم الثبات، وإبراهيم ردَّ عليهم بسلام عظيم فيه ثبات، فقال: سلام.
فقوله -سبحانه وتعالى-: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} ، الأجل الأول لأنه في هذه الحياة الدنيا، والثاني هو أجل مسمى عنده، وكان يمكن أن يقول: وقضى أجلًا مسمى عنده أو أجَّل مسمىً عنده، يقول ذلك ولا يضرّه شيء، لكن لما كان الأجل الثاني هو المستقَرّ وهو الذي فيه العظمة، إما في بيان عظمة عذاب الله للكافر، وإما في بيان عظمة إنعام الله للمؤمن فكان هذا القضاء وهذا الأجل عظيمًا، فأجراه بمجرى الجملة الثابتة العظيمة، فقال: {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} .
وقوله: {عِنْدَهُ} ، أحد أهل العلم قال: أعطوني أي مَثَل فيه حكمة أُخرجه لكم من القرآن، قالوا له: ائتنا بمثل"الجار قبل الدار"، قال: ماذا قالت امرأة فرعون؟ {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا} ، والأصل أن تقول:"رب ابني لي بيتًا عندك"، لكنها فصلت بين الفعل والمفعول لذكر المقام والمكان، فقالوا: هذا من باب التكريم، وإنما طلبت الجار أي قُرب الله قبل أن تذكر الدار، فقدمت ذكر الجار قبل الدار.
فانظر إلى قوله: {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} فذكر العِنديَّة في هذا الباب يدل على ما قلته لكم، وهو أن الأجل الثاني أجل عظيم يستحق أن يُنسب قربًا إلى الله.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} .
تمترون من الِمراء والمراء هو الشك، والمراء هو المجادلة، ولا تنشأ المجادلة إلا في شك وخصومة، فقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} ؛ أي بعد هذا الذي ذكرته لكم، من ذكر خلق السماوات والأرض