وجعل الظلمات والنور في آية استغرقت الوجود كله، ثم بعد ذلك في آية استغرقت الإنسان خِلقةً وسلوكًا ومستقرًّا، ثم بعد كل هذا أنتم تمترون!؟ ثم أنتم تجادلون وتشكِّكون؟
لكن لو سأل سائل: المراء في أي باب؟ ما هو الحديث الذي يدور حوله المراء هنا؟ الحق أن المراء هنا بجَمْعِ هذه السورة بسور أخرى على نسقها، وهذا ما يسمى عند أهل العلم بـ"مِزَاج القرآن"؛ فإنه بالنظر إلى مزاج القرآن في ذكر نموّ الإنسان ومستقرّه إنما يدور الحديث عن اليوم الآخر، فمع أنه أطلق"تمترون"، أي تمترون بقوة الله، تمترون بقدرة الله، ثم رأينا كلام ابن القيم عند قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ، قال: يعدلون في التوحيد والعبادة، يعدلون في عبادة الله، وإلا فلا يوجد قال أن هناك إلهًا يُشبه الإله الحق من كل وجه، لا يوجد، حتى المَثْنَويَّة الذين يقولون بالظلمة والنور بالنهاية عندهم النور هو الذي يغلب الظلمة، فهناك إله يَغلِب وإله مَغلُوب، والمغلوب لا يستحق أن يكون إلهًا ولا ربًا.
فلذلك بعد هذا كله تستطيع أن تقول: ثم تمترون في كل هذا، تمترون في خلقه، تجادلون فيه؟ تجادلون في توحيده وألوهيته؟ تجادلون في مستقره وأجل مسمى عنده؟ يصح أن يُقال هذا، ولكن المزاج القرآني يجب أن نلاحظه، عندما يُذكر خِلقة الإنسان وتطوره تكون دائمًا ملتصقة بقضية اليوم الآخر، وارجعوا إلى سورة الحج تجدون هذا.
قال -سبحانه وتعالى-: {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} ، تلاحظون كلمة (ثم) كم مرة تكررت هنا؟ في الآية الأولى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ، قوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} ، فترون أن هذا الارتخاء في هذه الحركة، في الخِلقة والتفكّر والجواب وقد ذكرنا -سابقًا- صورًا في قضية من يرفض الحق بعد أن يتمعن فيه ويدرك حقيقته، ثم بعد ذلك تمترون؟!.
قال -سبحانه وتعالى-: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} .