فهرس الكتاب

الصفحة 1381 من 2522

صفحة رقم 96

كفرهم بما آتيناهم من النعماء وكشفنا عنهم الضر والبلاء ) فتمتعوا( لفظه أمر والمراد منه التهديد والوعيد.

يعني: فعيشوا في اللذة التي أنتم فيها إلى المدة التي ضربها الله لكم )فسوف تعلمون( يعني عاقبة أمركم إلى ماذا تصير , وهو نزول العذاب بكم.

قوله سبحانه وتعالى )ويجعلون لما لا يعلمون نصيبًا( قيل الضمير في قوله: لما لا يعلمون عائد إلى المشركين يعني أن المشركين لا يعلمون.

وقيل إنه عائد إلى الأصنام يعني أن الأصنام لا تعلم شيئًا البتة لأنها جماد والجماد لا علم له , ومنهم من رجح القول الأول لأن نفي العلم عن الحي حقيقة , وعن الجماد مجاز فكان عود الضمير إلى المشركين أولى , لأنه قال لما لا يعلمون فجمعهم بالواو والنون , وهو جمع لمن يعقل ومنهم من رجع القول الثاني.

قال: لأنا إذا قلنا أنه عائد إلى المشركين احتجنا إلى إضمار فيكون المعنى: ويجعلون يعني المشركين لما لا يعلمون أنه إله ولا إله حتى نصيبًا وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام لم نحتج إلى هذا الاضمار لأنها لا علم لها , ولا فيهم وقوله )مما رزقناهم ( يعني أن المشركين جعلوا للأصنام نصيبًا من حروثهم وأنعامهم وأموالهم التي رزقهم الله , وقد تقدم تفسيره في سورة الأنعام ) تالله ( أقسم بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة , وهو قوله تعالى ) لتسألن عما كنتم تفترون ( يعني عما كنتم تكذبون في الدنيا في قولكم , إن هذه الأصنام آلهة وإن لها نصيبًا من أموالكم , وهذا التفات من الغيبة إلى الحضور , وهو من بديع الكلام وبليغه ) ويجعلون لله البنات ( هم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله وإنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون كالنساء , أو لدخول لفظ التأنيث في تسميتهم ) سبحانه ( نزه الله نفسه عن الولد والبنات ) ولهم ما يشتهون ( يعني: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني البنين ) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ( البشارة عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به , ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه كان كذلك الحزن , والغم يظهر أثره على الوجه وهو الكمودة التي تعلو الوجه , عند حصول الحزن والغم فثبت بهذا أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار والخبر المحزن , فصح قوله: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ) ظل وجهه مسودًا( يعني متغيرًا من الغم والحزن والغيظ والكراهة التي حصلت له عند هذه البشارة , والمعنى أن هؤلاء المشركين لا يرضى بالبنت الأنثى أن تنسب إليه فكيف يرضي أن ينسبها إلى الله تعالى ففيه تبكيت لهم وتوبيخ.

وقوله سبحانه وتعالى )وهو كظيم ( يعني أنه ظل ممتلئًا غمًا وحزنًا ) يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به ( يعني أنه يختفي من ذلك القول الذي بشر به , وذلك أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قربت ولادة زوجة أحدهم , توارى من القوم إلى أن يعلم ما ولد له فإن كان ولدًا ابتهج بذلك وظهر وإن كانت أنثى حزن ولم يظهر أيامًا حتى يفكر ما يصنع بها وهو قوله تعالى ) أيمسكه على هون ( يعني على هوان , وإنما ذكر الضمير في أيمسكه لأنه عائد إلى ما بشر به في قوله , وإذا بشر أحدهم ) أم يدسه في التراب ( يعني أم يخفي الذي بشر به في التراب والدس إخفاء الشيء في الشيء قال أهل التفسير: إن مضر وخزاعة وتميمًا كانوا يدفنون البنات أحياء , والسبب في ذلك إما خوف الفقر وكثر العيال ولزوم النفقة أو الحمية فيخافون عليهن من الأسر ونحوه , أو طمع غير الأكفّاء فيهن فكان الرجل من العرب في الجاهلية , إذا ولدت له بنت أراد أن يستحييها تركها حتى إذا كبرت ألبسها جبة من صوف أو شعر , وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية , وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت