فهرس الكتاب

الصفحة 1431 من 2522

صفحة رقم 146

والتمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مفازة ومعه خمسة نفر من كتابه , أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم الملك فلما رآهم خر ساجدًا لله تعالى , من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم قال لسنحاريب: كيف رأيت فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون ؟ فقال سنجاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدًا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم فقال الملك صديقة: الحمد لله رب العالمين الذي كفاناكم بما شاء , وإن ربنا لم يمتعك ومن معك لكرامتك عليه , ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابًا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم , فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلك ومن معك ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت.

ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه أن يقذف في رقابهم الجوامع , ففعل وطاف بهم سبعين يومًا حول بيت المقدس وإيلياء , وكان يرزقهم في كل يوم خبزين من شعير لكل رجل منهم فقال سنحاريب للملك صديقة: القتل خير مما نحن فيه وما تفعل بنا فأمر بهم إلى السجن فأوحى الله إلى شعياء النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم.

فبلغ ذلك شعياء للملك ففعل وخرج سنحاريب ومن معه , حتى قدموا بابل فلما قدم جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله تعالى بجنوده فقال له كهانه وسحرته: يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم , فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنحاريب تخويفًا لبني إسرائيل , ثم كفاهم الله تعالى ذلك تذكره وعبرة ثم إن سنحاريب لبث بعد ذلك سبع سنين , ثم مات , واستخلف على ملكه بختنصر ابن عمه فعمل بعمله وقضى بقضائه فلبث سبع عشر سنة ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضًا , وشعياء نبيهم معهم لا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك , قال الله لشعياء: قم في قومك حتى أوحي على لسانك.

فلما قام أطلق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي ويا أرض أنصتي , فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته واصطفاهم لنفسه وخصهم بكرامته , وفضلهم على عباده وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها , فآوى شاردتها وجمع ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها , وأسمن مهزولها وحفظ سمينها , فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضًا , حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر , فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لايدرون أنى جاءهم الحين.

إن البعير مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الأرى الذي يشبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وإن هؤلاء القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الخير , وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير وإني ضارب لهم مثلًا فليسمعوه , قل كيف ترون في أرض كان خرابًا زمانًا لا عمران فيها , وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها بالعمارة , وكره أن تخرب أرضه وهو قوي أو يقال: ضيع وهو حكيم فأحاط عليها جدارًا وشيد فيها قصرًا وأنبط فيها نهرًا وصفّ فيه غراسًا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها , وولى ذلك واستحفظه قيّمًا ذا رأي وهمة حفيظًا قويًا فلما أطلعت جاء طلعها خروبًا.

فقالوا: بئست الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت