فهرس الكتاب
صفحة رقم 203
دقيانوس مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف فلما أخبر بمكانهم أمر الكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر بهم فلما قرأوه عجبوا وحمدوا الله سبحانه وتعالى الذي أراهم آية تدلهم على البعث ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه , ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجودهم جلوسًا مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر أريوس وأصحابه سجدًا لله وحمدوا الله سبحانه وتعالى الذي أراهم آية من آياته ثم كلم بعضهم بعضًا وأخبرهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس ثم أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح بيدروس أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله على ملكك للناس آية لتكون لهم نورًا وضياء وتصديقًا للبعث , وذلك أن فتية بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ ثلاث مائة سنة وأكثر , فلما أتى الملك الخبر رجع عقله إليه وذهب همه وقال: أحمدك اللهم رب السموات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني ولم تطفىء النور الذي جعلته لآبائي وللعبد الصالح بيدروس الملك ثم أخبر بذلك أهل مدينته فركب وركبوا معه حتى أتوا مدينة أفسوس , فتلقاهم أهلها وساروا معه نحو الكهف فلما صعد الجبل ورأى الفتية بيدروس فرح بهم وخرا ساجدًا على وجهه وقام بيدروس الملك قدامهم ثم اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون لله ويحمدونه.
ثم قال الفتية لبيدروس الملك نستودعك الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته حفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شر الإنس والجن.
فبينما الملك قائم إذا هم رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى الله أنفسهم , فقام الملك إليهم وجعل ثيابهم عليهم وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في منامه فقالوا له إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله تعالى منه , فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب , ولم يقدر أحد أن يدخل عليهم وأمر الملك أن يتخذوا على باب الكهف مسجدًا يصلى فيه وجعل لهم عيدًا عظيمًا وأمر أن يؤتى كل سنة.
وقيل إن تمليخا حمل إلى الملك الصالح فقال له الملك من أنت قال أنا رجل من أهل هذه المدينة , وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقوامًا لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية قد فقدوا في الزمان الأول وإن أسماءهم مكتوبة على لوح في خزانته فدعا اللوح ونظر في أسمائهم فإذا اسمه مكتوب وذكر أسماء الآخرين فقال تمليخا: هم أصحابي فلما سمع الملك ركب ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل تمليخا فبشرهم فقبض الله روحه وأرواحهم وأعمى على الملك وأصحابه أثرهم فلم يهتدوا إليهم فذلك قوله عز وجل ) إذ أوى الفتية إلى الكهف ( أي صاروا إلى الكهف واسمه خيرم ) فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ( أي هداية في الدين ) وهيىء لنا ( أي يسر لنا ) من أمرنا رشدًا( أي ما نلتمس منه رضاك وما فيه رشدنا , وقال ابن عباس: أي مخرجًا من الغار في سلامة.
الكهف: ( 11 - 17 ) فضربنا على آذانهم...
"فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا" ( قوله سبحانه وتعالى: ( فضربنا على أذانهم( أي ألقينا عليهم النوم , وقيل منعنا نفوذ الأصواب إلى مسامعهم فإن النائم إذا سمع الصوت ينتبه ) في الكهف سنين عددًا ( أي أنمناهم سنين كثيرة فإن العدد يدل على الكثرة ) ثم بعثناهم ( أي من نومهم ) لنعلم ( أي علم مشاهدة وذلك أن الله عز وجل لم يزل عالمًا , وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانًا واعتبارًا ) أي الحزبين ( أي الطائفتين ) أحصى لما لبثوا أمدًا( أي أحفظ لما مكثوا في كهفهم نيامًا وذلك أن أهل المدينة تنازعوا في مدة لبثهم في الكهف.
قوله تعالى )نحن نقص عليك نبأهم بالحق ( أي نقرأ عليك خبر أصحاب الكهف بالحق أي بالصدق ) إنهم فتية ( أي شبان ) آمنوا بربهم وزدناهم هدى ( أي إيمانًا وبصيرة ) وربطنا على قلوبهم ( أي شددنا على قلوبهم بالصبر والتثبيت وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم , ومفارقة ما كانوا