صفحة رقم 245
إليه الحاجة في ذلك الوقت نفي التهمة عن أمه وأن عيسى لم ينص على ذلك , وإنما نص على إثبات عبوديته لله تعالى.
قلت كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن أمه , فلهذا أول ما تكلم باعترافه على نفسه بالعبودية لتحصل إزالة التهمة عن الأم , لأن الله تعالى لم يختص بهذه المرتبة العظيمة من ولد في زنا , والتكلم بإزالة التهمة عن أمه لا يفيد إزالة التهمة عن الله سبحانه وتعالى فكان الاشتغال بذلك أو ) آتاني الكتاب وجعلني نبيًا ( قيل معناه سيجعلني نبيًا ويؤتيني الكتاب وهو الإنجيل وهذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ وهو كما قيل للنبي( صلى الله عليه وسلم ) متى كنت نبيًا قال: ( كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد ) وقال الأكثرون إنه أوتي الإنجيل , وهو صغير وكان يعقل عقل الرجال الكمل وعن الحسن أنه ألهم التوراة وهو في بطن أمه ) وجعلني مباركًا أينما كنت ( معناه أني نفاع أينما توجهت , وقيل معلمًا للخير أدعوا إلى الله وإلى توحيده وعبادته وقيل مباركًا على من يتبعني ) وأوصاني بالصلاة والزكاة ( أي أمرني بهما وكلفني فعلهما.
فإن قلت كيف يؤمر بالصلاة والزكاة , في حال طفوليته وقد قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يبلغ ) الحديث.
قلت إن قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل المراد أوصاه بأدائهما في الوقت المعين لهما وهو البلوغ , وقيل إن الله تعالى صيره حين انفصل عن أمه بالغًا عاقلًا وهذا القول أظهر في سياق قوله ) ما دمت حيًا ( فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه إليه في زمان جميع حياته حين كان في الأرض , وحين رفع إلى السماء وحين ينزل الأرض بعد رفعه ) وبرًا بوالدتي ( أي جعلني برًا بوالدتي ) ولم يجعلني جبارًا شقيًا( أي عاصيًا لربي متكبرًا على الحق بل , وأنا خاضع متواضع وروي أنه قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي , وقال بعض العلماء لا تجد العاق إلا جبارًا شقيًا وتلا هذه الآية , وقيل الشقي الذي يذنب ولا يتوب.
)والسلام علي يوم ولدت ( أي السلامة عند الولادة من طعن الشيطان ) ويوم أموت ( أي عند الموت من الشرك ) ويوم أبعث حيًا ( أي من أهوال يوم القيامة فلما كلمهم عيسى بذلك علموا براءة مريم ثم سكت عيسى فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الأطفال ) ذلك عيسى ابن مريم ( أي ذلك الذي قال إني عبد الله هو عيسى بن مريم ) قول الحق ( أي هذا الكلام هو القول الحق أضاف القول إلى الحق , وقيل هو نعت لعيسى يعني بذلك عيسى بن مريم كلمة الله الحق والحق هو الله ) الذي فيه يمترون ( أي يشكون ويختلفون فقائل يقول هو ابن الله وقائل يقول ثالث ثلاثة تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ثم نزه نفسه عن اتخاذ الولد ونفاه عنه فقال تعالى