فهرس الكتاب
صفحة رقم 57
صنعوه فألبسته ثيابًا مثل ثيابه التي كان يلبسها , ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو إليه في ولائدها فتسجد له ويسجدن معها كما كانت تصنع في ملكه وتروح في كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحًا.
وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقًا له وكان لا يرد على أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرًا سليمان أو غائبًا , فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله تعالى وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير أمرهم.
فقال: افعل فجمع له سليمان الناس , فقام فيهم خطيبًا فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى وأثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله تعالى به حتى انتهى إلى سليمان فقال: ما كان أحكمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك عن كل ما يكره الله تعالى في صغرك ثم انصرف , فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتى ملئ غضبًا فلما دخل سليمان داره دعاه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيرًا في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر عمري ؟ قال آصف: إنَّ غير الله يعبد في دارك منذ أربعين صباحًا في هوى امرأة , فقال سليمان في داري ؟ قال: في دارك قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون قد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك.
ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثياب الظهيرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده وأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبًا إلى الله تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك به في ثيابه تذللًا إلى الله تعالى وتضرعًا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره فلم يزل كذلك