الصفحة 12 من 95

وجهها الصحيح، و تحديد مواقع الخلل و أسبابه، والاستبصار بالمآلات و العواقب. و أي تغييب لهذا الفقه (فقه الواقع) في الحاضر و المستقبل، سيكرس فقدان الحواس لدى الحركة الاجتماعية، فيما يشبه معسكرات الصم البكم الذين لا يعقلون.

غير أن جزءًا كبيرا من الواقع المعاصر لا يحتاج إلا إلى تقارير وصفية، إذا عُرِضت على مُسلَّمات الشريعة تَبيَّن الحكم الشرعي لا محالة .. و لتفسير ما يحدث لابد من أسئلة هامة تبرز الدافع الأساس و الأسباب الرئيسية لما نحن فيه و يمارس علينا طوعًا أو كرهًا .. و لماذا توظف مؤسسات الدولة و طاقات الشعب لحفظ النسق السياسي والاجتماعي ... و الاقتصادي ... رغم وضاعته وعواره؟! و لصالح من يتم كل ذلك رغم الأزمة العارمة و الفتن المتلاطمة؟! و إذا استحضرنا السياقات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية ... و مدى ترابطها بالأحداث العامة في بلاد المسلمين .. فلا نجد خلافًا بين ظاهرها و حقيقتها التآمرية.

و لا يضر في هذا الإطار تغير الواقع في جزئياته مادام هناك عمومات و قوانين ثابتة تحكم مسيرته .. و لا يضر اتساع الواقع في ظل ثورة المعلومات، و تعدد الوسائل و الوسائط للإحاطة بالظواهر و الحقائق .. و لا يضر تشابك الواقع ... و تشعبه، في ظل اتساع التخصصات و تعدد زوايا البحث و النظر عند أهله، و سهولة استحضار القواعد العامة للتأثيرات المتبادلة الأساسية عند أهل الاختصاص ـ إذا خلصت النوايا و صدقت التحركات ـ و لا يضر حجب المعلومات فيما يتعلق بالسياسات الدولية في المنطقة والأسس الإستراتيجية للمؤامرات على هذا الشعب المستضعف. و لا يضر حجب الحقائق الهامة عن جرائم المؤسسات و النظام في حقه، و لا حقائق الواقع المتخلف المهدد بالسكتة الدماغية، فإن هذه الحجب كغربال يُحجَب به وجه الشمس. فالحقائق معلومة ضرورة، و لا تخفى إلا على من أغمض عينيه و عطل حواسه و تجمد مكانه، فمن تحرك خطوة واحدة إلى الأمام اصطدم بها لا محالة. لكن الخطورة ـ كل الخطورة ـ تكمن في التضليل و تكريس عقلية التلقي للمعلومات تلقِّيا سلبيًا. وتكمن الخطورة في إضفاء القدسية على المعلومة، و جعلها بديهية حتمية .. ثم تكريس النظر للأحداث من منظور غربي و تفسيرها على ضوء ذلك. الخطورة في تعدد المصادر المختلفة شكلًا، المتفقة مضمونًا، المقدِّمة للمعلومات متفرقةً عن الظواهر السيئة دون رابط كلي، مما ينشئ العجز عن فهم الواضحات عند أغلب الناس .. فيصابون بالفتور و اللامبالات. ثم إن تلاحق الأحداث، و فورية المتابعة و سرعة الزوال .. لا يُخلِّف أي بنية فكرية علمية ثابتة عند المتتبع. لكنَّ هذا لا يدفعنا أن نعتبر"فقه الواقع"مضيعة للوقت، و نعيش تقوقعًا والتصاقًا برسم النصوص، دون تطبيق حقيقي لها. ففقه الواقع ـ كما أسلفنا ـ ضرورة من ضرورات تطبيق النص بشكله الصحيح.

واقع المغرب

إن واقع المغرب"البشري الحضاري"يشمل جوانب متعددة لا يخلو منها واقع أمة الإسلام. فموقعه الجغرافي استراتيجي و مُغري لا تنفك عنه أطماع الطامعين من جهاته الأربع ...

ثم إن"واقعه الديني".. ينبئ بانهيار يدلل عليه الخيار الحداثي العلماني و الديمقراطي الليبرالي، و الذي أصبح خيارًا فوق كل اعتبار، و يُعتبر معركة النظام الفاصلة التي لا رجعة عنها ...

أما (الواقع السياسي) .. فمن نظام الحكم المستبد، و حكومات التناوب المهزلة، و الوزارات الشكلية .. إلى الدستور الوضعي المستورد، و القوانين و النظم المهترية .. و من المجالس النيابية الخطابية و الصورية .. و المنظمات والنقابات المصلحية .. إلى السياسات العامة المضطربة الفاشلة و الأنظمة الإدارية المتخلفة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت