الصفحة 10 من 95

معلوم أن كثيرًا ممن انتسبوا إلى الإسلام، قد اختلفوا في حقيقة الدين، و خالفوا كتاب الله تعالى، و سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... و خرجوا عن إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين و اتبعوا أهواءهم و جعلوها أصولًا تحزَّبوا حولها، و افترقوا بها عن سائر الأمّة .. و تصدى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و علماء السلف، ببيان البدع .. كبدعة الخوارج، و القدرية، و المرجئة، ... و الرافضة، و الجهمية، و الباطنية الذين يظهرون معتقدًا، و يخفون دينًا آخر. و يُروى عن مالك ـ رحمه الله ـ أنه قال: (إذا قَلَّ العلم ظهر الجفاء، و إذا قلَّت الآثار كثُرت الأهواء) .

و أصول البدع قديمًا- و هي كذلك حديثا- أربعة: الرفض، و الخروج، و الإرجاء، و القدر .. ثم تفرّعت بعد ذلك. ... و تمثلت هذه البدع إما بإحداث زيادة ليست في الدين و جعلها منه، أو بحذف ما هو من الدين كبدعة إنكار السنة، أو تكون بتحريف معاني النصوص، أو تكون بجهل و مروق. و قد نشأ في عصرنا ما هو شر من ذلك و هي العلمانية (اللادينية) .. و هي بدعة فرّق أصحابها بين الدين و الدنيا، و جعلوا أحكام الدين منحصرة في العقائد و التصورات، و أخرجوا المعاملات و السياسات، و الحلال و الحرام عن حكم الدين و الشريعة، و جعلوا التشريع في هذه الأمور خاصًا للأمة أو الشعب، و أبطلوا فريضة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و على أساس هذه البدعة تقوم الحكومات و المؤسسات و النظم السياسية و الأحزاب و الجامعات ... إلخ.

و المعركة قديمة و لا زالت مستمرة، فأهل الباطل يريدون اختراع دين جديد أو إدخال باطلهم إلى هذا الدين .. وأهل الحق يحمونه، وينافحون عنه، ويدفعون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ... ولا تكاد توجد بدعة أو مقالة من المقالات الخارجة عن الكتاب و السنة، إلا و لعلماء السنة والجماعة جهاد مشكور، و ردود تصحح وتدحض هذه البدعة وتبين بُعْدَها عن الحق.

ثم لا بد من بيان أن فتنة الإرجاء، و اشتراط الجحود و الاستحلال القلبي، أشد على المسلمين من فتنة الخوارج .. قال الزهري رحمه الله: (ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء) و قال الأوزاعي رحمه الله: كان يحيى ابن أبي كثير و قتادة يقولان: (ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على هذه الأمة من الإرجاء) . و لما سُئل النضر ابن شميل عن الإرجاء قال: (دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم) .

و لنعلم أن الخوارج على التحقيق لم يبق من طوائفهم إلا الإباضية، و بقايا وشم من الطوائف الأخرى يلوح و لا يظهر. لكن الأخطر هو أن (العلمانية) استثمرت بدعة (الإرجاء) و ارتكزت عليها، و رغم فِرَقِها و طبقات أتباعها، إلا أنها تلتقي جميعًا في عدم إدخال الأعمال في مسمى الإيمان. و أغلب (مرجئة العصر) على أن الناس مسلمون بغض النظر عن أعمالهم .. و الحكم على الإيمان عندهم متعلق بمسائل التصديق و التصور، فأخرجوا شق الأحكام والتكاليف .. و من هنا دخلت العلمانية و ربيبتها الديمقراطية، و بسطت سلطانها على المسلمين دون أن تجد اعتراضًا.

و من المعلوم تاريخيًا كذلك أن الصوفية بَنَت نفسها على ركيزتين منحرفتين: عقيدة (الإرجاء) و عقيدة (الجَبر) ، و قد علمنا أن خلاصة (الإرجاء) : (إسلام بلا تكاليف) .. أما أعمال الجوارح فلا قيمة لها في عالم الحقائق عندهم، و الأتباع مدعُوُّون إلى انتكاسة نحو الداخل (القلب) ، دون الاهتمام بحركة الحياة، و من تَمََّ لجأوا إلى عقيدة"الجبر"، التي تفسر الحياة و حركتها تفسيرًا غيبيًا .. فالمؤثر في هذه الحركة هي القلوب و الإرادات دون عمل الجوارح و من هنا قيل: ... (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تَقُم على أرضكم) ، و لم يريدوا بذلك أن صفاء القلوب و الإرادات الصحيحة، تنتج أعمالًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت