لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [1] كل ذلك تكبيلًا للحق، و حصارًا للدعوة و منعًا من انتشار الحجة و ظهور الآيات، و عزلًا لدعاة الحق و أنصارهم عن أمتهم.
و هكذا سنة أهل الباطل يقابلون الحجة بالسجن أو النفي أو القتل لأصحابها و حملتها و أنصارها، خاصة من أهل العلم العاملين الربانيين، الذين هم أهل الفقه في الواقع و أهل الفقه في حكم الله تعالى، المدركين للحياة على ما هي عليه، العارفين لأحداثها بطريق سُنَنِيّة لها تمام الوضوح في عالم الشهادة دون تغييب للآخرة .. فقهاء النَّفَس لا تلتبس عليهم الأحكام في زحمة النوازل تجمعهم ميزة الابتلاء دلالة على صدقهم و رفعة لمكانتهم، قال - صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل .. يبتلى الرجل على حسب دينه» [2] . وهذا هو الطريق الحق في تمييز أولي الأمر من أهل العلم .. وإفراز الثقات .. و معرفة حقائق الرجال .. دون لُبس أو تزوير.
لكن اليوم و في سابقة غريبة، لم تُعهد في الأمم التي خلت من قبل، أصبحت درجة العلمية لا تخضع لموازين أهل العلم و شروطهم، بقدر ما أصبح اللقب حكرًا على من سلك طريق اللقب العلمي النظامي. و لن يدخل منهم في حاشية الحُكَّام، إلا من يدور معهم حيث داروا، و يدفع عنهم عاديات الزمن، و هم من يتصدرون أخطر المناصب العلمية، من عضوية المجالس العلمية العليا .. و هيئات كبار العلماء .. و وزارات الأوقاف و الإفتاء ... إلخ، وملتزمون التزامًا استراتيجيًا ببرامج الدولة، لا يُقَصِّرون في التأكيد على شرعية إجراءاتها، وفي استعداد تامّ لتجريم من يخالف إرادتها .. متى أرادت الدولة ذلك. بل تعدى الأمر مجرد خدمة للحاكم و أجندة نظامه، تحت غطاء (ولي الأمر) ، إلى أن صار (علماء البلاط) يلعبون أدوارًا أساسية ـ بقوة الفتوى و إرهاب السلطة ـ في فصول المؤامرة الصليبية الصهيونية في بلادنا ـ كما هو شأن أمثالهم في بلاد المسلمين ـ و لا غرابة أن نرى توافقًا و تطابقًا ـ بعيدان عن احتمال المصادفة ـ بين توصيات مراكز البحوث الإستراتيجية في أمريكا و غيرها لمحاربة الإسلام ـ تحت مسميات مضلّلةـ و بين ما تُنتِجه هذه المجالس ... و الندوات و المؤتمرات، من توصيات و فتاوى، ما أنزل الله بها من سلطان.
(1) الأنفال: 30
(2) صحيح الجامع للألباني