الصفحة 16 من 95

المستأجرة في العالم الإسلامي، لتساهم في الحرب على الإسلام دون أن تثير مشاعر الغافلين، أو تحرج المتغافلين و المتواطئين.

لم يكن مرادنا في هذه الرسالة حصر جميع الشبهات الواردة على طالبي الحق .. فإن شبهات القوم لا تنتهي .. و لا يزال الشيطان يوحي إلى أوليائه زخرف القول غرورًا .. و إنما تعرضنا لأشهر ما يطرحه كبراؤهم في هذا البلد .. بيانًا للحق وتنبيها لطلبته، السائرين على الدرب.

اعلم يا طالب الحق ـ رحمك الله ـ أن الهوى من الآفات المهلكة و هو (في تاريخ المتأخرين كثير) كما قال ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ. فعليك أن تتجرد في طلب الهدى و لا تتبع الهوى ..

قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [1] . تأمل يا عبد الله كيف كان عاقبة هؤلاء الهلكى، عبيد الهوى .. ختم الله على قلوبهم ... و أسماعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، جزاء وفاقًا، فأمسوا لا يرفعون بالأدلة و البينات رأسًا فلا يهتدون ولا هم يتذكرون.

و من الآفات المهلكة الانتصار للحزبية و المشايخ .. أو تقديمهم بين يدي الله تعالى و رسوله - صلى الله عليه وسلم - .. أو ترك كلام الله المحكم، لأقوالهم و مقالاتهم. فمادام الحق وضح لك بدليله، فعض عليه بنواجذك .. و لا تدعه لرأي أحد. لا تقف ـ يا طالب الحق ـ عند آراء الخلق إذا بانت لك المحجة البيضاء .. ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. و كل يؤخذ من كلامه و يرد إلا المعصوم - صلى الله عليه وسلم -.

و رحم الله ابن القيم إذ يقول:

و جعلوا كلام شيوخهم نصًا له ... الإحكام موزونًا به النصانِ

و كلام رب العالمين و عبده ... متشابهًا متحملًا لمعانِ

و إياك و الظلم، وعليك بدثار الإنصاف و شعار العدل .. فإنها أندر الحُلَلِ بين الخلق في هذا الزمان. قال العلماء: (الإنصاف حُلّة الأشراف، و الأشراف أَقَلُّ الأصناف) . و من ذلك أن تتورع عن أن تنسب للخصوم ما لم يقولوه، ولو كان من لازم أقوالهم .. و إياك و التخرص و سوء الظن، و اعلم ـ يا طالب الحق ـ أن عين السخط تبدي المساويا، و إن كان لها في الحقيقة مخارج صحيحة. و احذر من التردد و التخاذل عن اتباع الحق و نصرته لقلة الأنصار السالكين، أو لكثرة المخالفين و المثبطين، و ليس بالكثرة و الرجال يعرف الحق، و إنما يعرف الرجال بالحق. و لا تعجبَنَّ ممن هلك، كيف هلك؟! و إنما العجب ممن نجا، كيف نجا؟!!

و احذرـ رحمك الله ـ من تتبع المتشابه الذي يناسب الهوى و ما تشتهيه الأنفس، و اتخاذه مذهبًا، و التعصب له، والمخاصمة عليه، فإنه مسلك الذين في قلوبهم زيغ .. ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله. و الزم ما كان يفتتح به رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - صلاته إذا قام من الليل: «اللهم ربَّ جبريل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السموات و الأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» [2]

(1) الجاثية: 23

(2) رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن المثنى وجماعة وسنن أبي داوود ابن حبان ومستدرك الحاكم والإمام أحمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت