الغرب، لا تُعبِّر إلا عن مثال للتفكير الأصولي الشاذ .. ولذلك لم يسمحوا لها أن تُعكِّر عليهم أجواء التلذذ بموائد الحوار و أماني السلام.
لقد كانت المقالة الشهيرة .."صدام الحضارات"ل"صموئيل هانتنغتون".. إشارة واضحة إلى أن الحضارة الإسلامية هي أول المرشحين للتصادم مع الحضارة الغربية .. وأن هذا التصادم راجع أساسًا إلى العامل الديني، و الذي ـ حسب تعبير الكاتب ـ"يقسم الناس بشكل أكثر حدة و شمولا ً".
وما كان من الغرب إلا أن اجتهد في بلورة هذه الفكرة إلى رؤية استراتيجية، يتحرك من خلالها إلى تحقيق مصالحه في بلادنا، فيما يبدو أنها محاولة جديدة للعودة إلى الاستعمار المباشر، بعد أن ظهر أن الاستعمار بالوكالة قد بدأ يفقد قدرته على الإمساك بزمام الأمور.
إن الغرب أعدَّ نفسه لتنفيذ المشروع الصهيوني (مشروع الشرق الأوسط الكبير) من بلادنا غربًا إلى اندونيسيا شرقًا، في تناسق كامل بين المصالح السياسية و الخلفية الدينية، تماما ً كما هي الحقيقة الثابتة في الحروب الصليبية على امتداد التاريخ. و بالمقابل هناك عملية"تزييف الوعي"في المجتمعات المسلمة عن طريق التشويش على مجموعة من الثوابت العقدية و المفاهيم المنهجية، و الضغط عليها لتتلاءم مع الصورة الوردية للإسلام .. فبدأنا نسمع عن"إخواننا النصارى"و"الملة الإبراهيمية لتقارب الأديان الثلاث"و"خط اللا عنف مطلقًا"و"التسامح بلا حدود"و ... و غيرها من المفاهيم الانهزامية التي ساعدت على تكريس حالة الاسترخاء اتجاه العدو. هذا العدو و تحت يافطة"مكافحة الإرهاب"امتدت أياديه و معاوله إلى كل ما هو إسلامي .. بدءًا بالمدارس القرآنية و المعاهد الشرعية .. مرورًا بالجمعيات الخيرية و المناهج التعليمية .. و انتهاء بالتوطيد للنظم السياسية و الاجتماعية المناقضة للإسلام، للقضاء على الهوية الإسلامية للأمة، لتصبح مسخًا مُشوَّهًا مفتقدًا لكل مقوماته الحضارية .. و من تمَّ، يسهل على الغرب النصراني ابتلاع أمتنا، أو على الأقل دمجها في حظيرة الأمم المستعبدة، و بأقل الخسائر الممكنة.
إن أمريكا تستند في حربها علينا إلى قيمها، بدءًا بالعلمانية في السياسة، وانتهاءً بالإباحية الاجتماعية، تحت مسمى قيم الديمقراطية، لتصبح بديلا للقيم الإسلامية. فهي حرب بحمولة عقدية متصهينة صليبية، بالمعنى الواضح للكلمة، مهما حاول البعض دس رأسه في الرمال للهروب من هذه الحقيقة. ولما تقول أمريكا و حلفاؤها أننا لسنا ضد الإسلام، فإنهم يقصدون إسلامًا أمريكيًا هجينًا .. يقبل الخضوع للغرب، و يعطيه الشرعية لبسط سلطانه على عالمنا الإسلامي، مما جعل من رجال الأمة و نسائها، جنودًا مجندة لحماية قيم الغرب و حضارته، بل و محاربة من يتمرد أو يعترض عليها، حتى يكون الاستسلام كله للغرب و ليس لله تعالى. أما الإسلام كما أنزله الله تعالى .. الداعي إلى التوحيد، والخلافة الراشدة على منهاج النبوة، و تحرير أراضي المسلمين، والذب على حمى المقدسات، وإخراج المستوطنات العسكرية من جزيرة العرب وباقي بلاد المسلمين، وحماية ثرواتهم ... فإن العالم الغربي ـ ومن ورائه الحكومات العميلة المستأجرة ـ يصرحون أنهم في صراع حضاري مع هكذا إسلام، تحت دعوى (محاربة الإرهاب) .
إن الوجدان الأمريكي خصوصًا، و الغربي عمومًا، في لحظة الحرب .. لحظة الأزمة الكبرى، يستدعي و بسرعة، المعاني الدينية، رغم تراجعها في معظم المواقف الحياتية الأخرى. كل ذلك لتكون هذه المعاني الدينية هي الأساس الأول في تفسير الحرب. و إننا نؤكد على حقيقة ماثلة للأعين تاريخيًا، و في زماننا المعاصر .. أنه إن كان اليهود أشد عداوة للذين ءامنوا .. فإن النصارى هم أكثر قتالًا للمسلمين. خاصة وأن الصهيونية العالمية جمعت شملهم، وقلصت من التباين العقدي بينهم في استهدافهم للمسلمين. أما محاولة الترويج لمقولة:"أن الإسلام يختلف عن الإرهاب".. فلم تكن إلا لذر الرماد في العيون، و لم تكن إلا خدعة سياسية، لتحييد جزء هام من الحركة الإسلامية من المواجهة مؤقتًا، و لإفساح المجال أمام الأنظمة