الصفحة 8 من 95

الحمد لله رب العالمين، و لا عدوان إلا على الظالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين. أما بعد:

قال الله تعالى: {وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [1] . وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [2] .

و قال - صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم» [3] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين» [4]

ثم أما بعد:

لقد نشرت جريدة الأيام خلاصات لمداخلات ألقيت خلال ندوة عقدها ما يسمى (المجلس العلمي الأعلى) بالمغرب بتاريخ ... 02 جمادى الآخرة الموافق لـ 19 ماي 2007. و لم ينبري أحد من علماء المغرب للرد على ما ورد فيها من أباطيل. فكان لزامًا أن نبين وجه الحق فيما ألقي من إفك. ولقد أعددنا هذه الرسالة حراسة للدين وحماية للشريعة.

و ردُّ الباطل واجب، وكل مسلم على ثغر من ثغور ملته. قال علماؤنا: و بيان زلة العالِم محمدة في الإسلام، و قد قيل: زَلَّةُ العالِم زَلَّةُ العالَم. كما أننا نعتبر ضعف العزائم .. و القصور عن معرفة مدارك الحق و مناهج الصواب .. والتولي عن الزحف عن مواقع حراسة الدين و الذب عنه .. و السكوت عن كلمة الحق ـ مع القدرة على ذلك ـ كالنطق بالباطل في الإثم ... قال أبو علي الدقاق رحمه الله: (الساكت عن الحق شيطان أخرس .. و المتكلم بالباطل شيطان ناطق) .

و كثيرة هي المؤتمرات و الندوات الناطق أصحابها بالباطل تعقد تحت عنوان"محاربة الإرهاب". و هذه المؤتمرات ... والندوات تدور في فلك الفتوى العصرية التي يسعى من خلالها الغرب في ترويض المسلمين و تطويع الإسلام لإزالة العوارض و الموانع أمام الغزو الغربي لبلادنا بكل أبعاده و أحماله ... و صراع الحق و الباطل تمتد جذوره منذ أن وجد البشر على وجه الأرض .. فهو سنة قدرية لن تجد لها تبديلًا و لا تحويلًا. و قد بيَّن القرآن الكريم المنهج الحق، و ضده منهج التلبيس والتدليس والتحريف. وبيَّن أن العلاقة بين المنهجين، أي بين أمر الله وأمر الشيطان، علاقة صراع ... ولو لم يمتلك الحق وسائل القوة ـ فضلًا عن استعمالها ـ فلا بد للباطل أن يتحرك لاجتثاثه ... فهذا لوط - عليه السلام - حورب في قريته و حورب من آمن به من أهله لأنهم {أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [5] وهذا شعيب - عليه السلام - يقول لقومه كما جاء في كتاب الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [6] أي لا تعتدوا علينا و لا نعتدي عليكم حتى يفصل الله بيننا ـ قدَرًا ـ فماذا كان الرد من الملإ من قومه؟ {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [7] . ولمّا عجز فرعون أمام حُجّة موسى - عليه السلام - هدده بالسجن قائلًا: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [8] . و هذا يوسف - عليه السلام - لما ابتلي بامرأة العزيز وأجواء القصور و بعد أن رأى كبراء مصر الآيات الناطقة ببراءته و عفته قال الله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حينٍ} [9] و السجن أو التشريد أو التقتيل .. كان و لا يزال إحدى مظاهر الابتلاء، و صورة من صور العذاب و محاربة الحق. و قد كان إحدى اختيارات قريش في عذابها

(1) الفرقان: 33

(2) آل عمران: 104

(3) رواه مسلم

(4) رواه البيهقي (كتاب عمدة الأحكام من كلام خير الأنام للمقديسي)

(5) الأعراف: 82

(6) الأعراف: 87

(7) الأعراف:88

(8) الشعراء: 29

(9) يوسف: 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت