الصفحة 11 من 95

صالحة لتأسيس واقع شرعي، أخذًا بالأسباب، و جمعًا بين السنن الكونية والشرعية .. و إنما أرادوا منا أن نستسلم للقدر .. أما الواقع فسيتغير بقدرة قادر، دون ترجمة للأمر الإلهي في التعامل مع هكذا واقع، بل إن من أهم شعاراتهم: (أريد ألا أريد) و (السياسة تياسة) و (من السياسة ترك السياسة) ، ومنهم من يقول: كلامنا فوق السماء و تحت الأرض .. في إشارة إلى أمور الغيب و الأموات و القبور .. و يقولون: (دع ما لقيصر لقيصر، و ما لله لله) .. و غيرها من الأقوال و الشعارات المُمتَنِعة قدَرًا .. فقد اتفقت كل الطوائف و الملل والنحل ـ سواء كانت سماوية الأصل أم أرضية وضعية ـ على أن أمر الحياة لا يستقيم دون حركة بشرية وفقًا للتصورات و المعتقدات.

و يبقى أن نشير إلى أن الحق يُعرف بنوره ودلائله لا بحاكيه و قائله، و الانتصار للحق يكون بعدل و علم .. والأصل في العلم، الكتاب و السنة وما دل عليهما، و بقدر ما يمتلك أهل الحق من العلم المُفَصَّل و العدل المُفَصَّل، بقدر ما يمكنهم التزام الصراط المستقيم، صادعين بالحق، و لا يخافون في الله لومة لائم، في أدب جم، و خلق حسن، واستقامة دائمة. لا يغريهم ما حولهم من زخرف الواقع و لا يُهوِلَنَّهم ما يملكه أهل الباطل من أسباب السحر و الإرهاب.

فقه الواقع واجب شرعي، قبل كونه ضرورة تُحتِّمها الدعوة إلى الله تعالى. فهو مقدمة لواجبِ تحقيق المهام الربانية والرسالية في الأرض (و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) . ثم هو واجب لاستبانه سبيل المجرمين .. قال تعالى: ... {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [1] خاصة و أن أيامنا هذه تشهد تطورًا في أساليب المكر وأشكاله، مع تطور ثورة المعلومات، وتشهد كذلك تنوعًا في فنون الحرب على الإسلام، خصوصًا بعد طروء حالة القطبية الواحدة في العالم، وانطلاق الحملة الصهيوصليبية الحديثة المتبلورة في خطوط ثلاث: غزو عقر دار المسلمين، وصناعة (كرازايات العصر) ، و الاستشراق و التنصير. ناهيك عن حملات الهندوس و البوذيين والمجوس وغيرهم من الملل و النحل.

فعلى العلماء كشف هذه المؤامرات، و التعرف عليها، في سبيل وأدها أو تحضير أسباب مواجهتها. و تشخيصُ واقع البلد خطوط رائدة لتغييره، و لاختيار المنهج الصحيح و لإعداد الوسائل المناسبة لتحقيق ذلك. فلا بد من العلم بالواقع، و الفقه فيه، لإطلاق الأحكام الشرعية الصحيحة عليه، و ليس تكييف الأحكام لتوافق الواقع. و من الواجب كذلك تصحيح المفاهيم، وتحديد المصطلحات الشرعية و مضامينها .. و كل ذلك ثغر عظيم ينادي من يقوم عليه.

إن شعبنا المستضعف خاصة و أمتنا الإسلامية عامة تعاني من أمراض خطيرة تقعدها عن مهامها من القوامة على القوى المناوئة، و إقامة الدين وحفظ السيادة للشرع، و تعاني من ضعف التوحيد و تسلط أعداء الملة و الدين، و من نهب الثروات و تهريب العملات، و من أعظم ما تعاني منه تجار القضايا و الفتاوى، عبيد الجاه و الرياسة، المتهالكين: على عتبات الغرب و الشرق. و لابد من نظرة متكاملة لأمراض الأمة و تشخيص دقيق لها، و حركة دؤوب لاجتثاثها. و لابد من معرفة المعادلات التي تؤثر في حياة مجتمعنا و تصوغه، وكذا الحوادث التي تجري عليه، و لابد من الفهم العميق للأسس التي تقوم عليها حياتنا، و ما يعترضها و يوجهها، و كل ذلك كفيل للربط بين هذه السنن الكونية و السنن الشرعية، لنجاح النهضة الإسلامية، لتستعيد الأمة عافيتها، وتزاول دورها الريادي. و لابد من تجاوز الرؤى الحسيرة، و المجازفات القاصرة، و الانفعالات التي يحكمها رد الفعل. و لابد من تجاوز اختزال الماضي في موقف، أو الحكم على الواقع من خلال لحظة تاريخية. و لابد من استكناه الحقائق الاجتماعية، و تجاوز الصورة إلى الحقيقة، واكتشاف السنن الكونية التي تمكننا من تفسير الظواهر على

(1) الأنعام: 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت