المستضعف إذا لجأ إلى الكفار ليدفعوا الظلم عنه أو عن عرضه أو ماله أو تحصيل بعض حقوقه في ظل عدم وجود سلطان الله.
2_ الصلح:
و هناك أمر آخر و هو الصلح الذي لا يحرم حلالًا، فهذا جائز مشروع و لا يعد تحاكمًا إلى غير شرع الله. قال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ... } [1] و قال فيما استثناه من النجوى الجائزة بين الناس {أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... } [2] و قال في شأن القتال و النزاع بين طوائف المسلمين {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ... } [3] ، و يروى من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ... و غيره من الصحابة مرفوعًا «الصلح جائز بين المسلمين» [4] و هو مروي عند أبي داود و الحاكم و البيهقي و كان عمر - رضي الله عنه - يأمر برد الخصوم حتى يصطلحوا، ولذلك استحب الفقهاء للقاضي محاولة الصلح بين الخصوم في جميع الدعاوي التي لا يكون المطلوب فيها حق من حقوق الله فكما أن الخصومة بين الزوجين يجوز أن يحكم فيها بالصلح ويجتهد الحكمان فيها بأن يتنازل أحد الزوجين عن بعض حقوقه في سبيل الإصلاح الذي هو خير من الفراق والشقاق، فهكذا الأمر في كثير من النزاعات و الخصومات، يجوز أن تحل بالصلح و تراضي الأطراف أو تنازل بعضهم عن شيء من حقوقهم، فالصلح عقد رضائي تجيزه الشريعة و لا يرد عليه قيد إلا أن يحل حرامًا أو يحرم حلالًا. قال الحافظ في الفتح: ... (و الصلح أقسام: صلح المسلم مع الكافر، الصلح بين الزوجين، و الصلح بين الفئة الباغية والعادلة، الصلح في الجراح كالعفو على مال و الصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة إما في أملاك أو في المشتركات كالشوارع ... ) .
و هذا مما وسع الله تعالى فيه و ليس هو من التشريع الكفري بحال، و لا هو من الحكم بغير ما أنزل الله أو التحاكم إلى الطاغوت، و قد قال الفاروق - رضي الله عنهم: «إذا وسع الله فوسعوا» [5] . و من باب التحكيم و الصلح أيضًا ما رواه أبو داود ... و النسائي والبخاري في الأدب المفرد عن أبي شريح أنه لما وفد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى بأبي الحكم؟» فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن هذا» ثم كناه بأكبر أولاده. و لا يخفى عنك أنه كان يفعل ذلك في الجاهلية قبل إسلامه، و لذلك عد من حكام الجاهلية، و مع هذا فقد استحسنه النبي - صلى الله عليه وسلم - و لو كان من الحكم بغير ما أنزل الله لأنكره و لما استحسنه. فهذا كله يدل على أن الصلح جائز و أنه ليس من التحاكم إلى الطاغوت أو الحكم بغير ما أنزل الله ولو أشرف عليه كافر ما لم يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، و يؤيد هذا قوله تعالى في الصلح بين الزوجين {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [6] و معلوم أن للزوجة أن تختار الحكم الذي تثق به من أهلها وأنها لو كانت كتابية لها أن تختاره من أهل دينها.
الخاتمة
فنحن أبعد ما نكون عن معتقد الخوارج و ذلك واضح في أدبيات هذا التيار الجهادي المبارك اتباعا لعلمائنا و منارات طريقنا. على نهجهم نسير و أثرهم نقتفي. فنحن وسط بين الغلاة المارقين و"الرانديين"المفَرِّطين. فمن كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجر .. فما بالك بمن نسج عشه من خيوط العنكبوت؟!!
(1) النساء: 128
(2) النساء: 114
(3) الحجرات: 9
(4) سنن أبي داوود
(5) رواه البخاري
(6) النساء: 35