اختلف العلماء هل رسم المصاحف توقيفي من النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، أم اجتهادي؟ فأما الذين ذهبوا إلى أن الرسم توقيفيٌّ، فلم يجيزوا مخالفته، وأما القائلون بأنه اجتهاد واصطلاح من الصحابة، فاختلفوا، فمنهم من أوجب اتباع اصطلاحهم، ومنهم من جوَّز مخالفته، وجوز كتابة القرآن على غيره، ومنهم من أوجب كتابةالمصاحف على الرسم القياسي منعًا للَّبْس.
فتلخص أن العلماء في الرسم العثماني على مذهبين: مذهب يوجب اتباعه (سواء من قال بالتوقيف ومن قال بأنه اصطلاح واجب الاتباع) ، ومذهب يرى جواز رسم المصاحف على غير الرسم العثماني، وبعضهم يوجب ذلك.
المذهب الأول: أن رسم القرآن توقيفي، فلا تجوز مخالفته، ولا تجوز كتابة المصحف إلا على الكتبة الأولى، وهو مذهب الجمهور.
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
1.إقرار النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الكتبة، فقد كان للنَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كُتَّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن على هذا الرسم بين يديه - صلى الله عليه وسلم -، وأقرهم على تلك الكتابة، ومضى عهده - صلى الله عليه وسلم - والقرآن على هذه الكتبة، لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل.
2.ما ورد من أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يوقف كُتَّابه على قواعد رسم القرآن، ويوجههم في رسم القرآن وكتابته.
أ- فعن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: أَلِق الدواةَ، (1) وحرِّف القلمَ، وأقِم الباء، وفرِّق السينَ، ولا تعوِّر الميم، وحسِّن (الله) ، ومدّ (الرحمن) ، وجوِّد (الرحيم) . (2)
ب- وعن أنس - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كتب أحدكم (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فليمدَّ الرحمن. (3)
3.إجماع الصحابة على ما رسمه عثمان في المصاحف، وعلى منع ما سواه.