تابع المبحث الثاني: رد الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني
وردت آثار عن بعض الصحابة والتابعين فيها أن القرآن العظيم قد وقع فيه لحنٌ عند جمعه في زمن عثمان - رضي الله عنه -.
فعن عكرمة الطائي قال: لَمَّا كتبت المصاحف عُرِضَتْ على عثمانَ، فوجدَ فيها حروفًا من اللَّحْن، فقال: لا تُغَيِّرُوها؛ فإن العرب ستُغَيِّرُها- أو قال ستعربُها- بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيفٍ، والمملي من هذيلٍ لم توجد فيه هذه الحروف. (1)
وعن سعيد بن جبيرٍ، قال: في القرآن أربعة أحرفٍ لحنٌ: وَالصَّابِئُونَ {، (2) } وَالْمُقِيمِينَ {، (3) } فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ {، (4) و} إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ . (5)
قال السيوطي: وهذه الآثار مشكلة جدًّا. (6)
وقد تعلَّق بِها بعض الطاعنين على القرآن ونقله، وزعموا أنَّها تدل على أن جمع الصحابة للقرآن لا يوثق به.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الأول: أن ذلك لا يصح عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع. (7)
الثاني: مِمَّا يدل على ضعف هذه الآثار أن وقوع اللحن في القرآن وسكوت الصحابة عنه مِمَّا يستحيل عقلًا وشرعًا وعادةً، لوجوه:
1.أنه لا يُظَنُّ بالصحابة أنَّهم يلحنون في الكلام، فضلًا عن القرآن، فقد كانوا أهل الفصاحة والبيان.
2.أنه لا يُظَنُّ بِهم اللحن في القرآن الذي تلقوه من النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كما أنزل، وحفظوه وضبطوه وأتقنوه.
3.أن افتراض صحة هذا النقل يعني أن الصحابة اجتمعوا على الخطأ وكتابته، وهذا مما لا يُظَنُّ بِهم.
4.أنه لا يُظَنُّ بِهم عدم تنبههم للخطأ ورجوعهم عنه، مع كثرتهم، وحرصهم، وتوافر الدواعي إلى حفظ الكتاب الكريم.