حكم ما بلي من الصحف التي فيها قرآن
بعد أن أتم عثمان - رضي الله عنه - نسخ المصاحف، وأمضاها إلى الأمصار، كان لا بد من منع كل ما خالفها، فأمر من كان عنده شيء مِمَّا عداها من الصحف التي كانوا يكتبون فيها القرآن أن يحرقه، حتى لا يأخذ أحدٌ إلا بتلك المصاحف التي حصل عليها إجماع الصحابة.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في جمع عُثْمَانَ المصاحف، قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. (1)
وقد اختلفت الروايات بالذي فعله عثمان - رضي الله عنه - بالمصاحف التي كانت عند الناس، فرواية البخاري السابقة: وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.
قال الحافظ: في رواية الأكثر (أن يُخرق) بالخاء المعجمة ... وفي رواية الإسماعيلي: (أن تمحى أو تحرق) . (2)
وعند ابن أبي داود من حديث أنس بن مالك: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، فذلك زمان حُرِّقَت المصاحف بالعراق بالنار. (3)
وهذه الرواية صريحة في أن ما فعلوه إنَّما هو إحراق تلك الصحف بالنار، إذهابًا لَها، وصونًا عن الوطء بالأقدام.
وعنده أيضًا من طريق أبي قلابة: فلما فرغ من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار، أني قد صنعت كذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم. (4)
قال ابن حجر: والْمحو أعمُّ من أن يكون بالغسل أو التحريق، وأكثر الروايات صريحٌ في التحريق، فهو الذي وقع، ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك.
وقد جزم القاضي عياضٌ بأنَّهم غسلوها بالماء، ثم أحرقوها مبالغة في إذهابِها. (5)