الفصل الثالث
من قام بالجمع في عهد أبي بكر - رضي الله عنه -
مرَّ فيما سبق أن الذي أشار بجمع القرآن كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وأن أبا بكر ندب لِهَذِهِ المهمة زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -.
وقد بين أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أسباب اختياره زيدَ بن ثابت في الحديث الذي أسلفناه، حيث قال له: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. (1)
وقد ورد أيضًا أن زيد بن ثابت كان قد حضر العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، كما مرَّ.
أضف إلى ذلك أن زيد بن ثابت كان ممن جمع القرآن حفظًا في صدره في حياة رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
فَعَنْ قَتَادَة قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ. (2)
فتبين أن أبا بكر - رضي الله عنه - إنَّما اختار لِهذه المهمة الشاقة زيد بن ثابت للأسباب الآتية: (3)
1 -أنه كان شابًّا، وفي ذلك خصال توافق غرض الصديق، حيث إن الشابَّ أقوى وأجلدُ على العمل الصعب من الشيخ، كما أن الشابَّ لا يكون شديد الاعتداد برأيه، فعند حصول الخلاف يسهل قبوله النصح والتوجيه. (4)
2 -أن زيد بن ثابت كان معروفًا بوفرة عقله، وهذا مِمَّا يؤهله لإتْمام هذه المهمة الجسيمة.
3 -أنه كان غير متهم في دينه، فقد كان معروفًا بشدة الورع، والأمانة وكمال الخلق، والاستقامة في الدين.
4 -أنه كان يلي كتابة الوحي لرَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويرى إملاء رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فكان